القصف البريطاني لدور السنينة -الجَهَاور بيافع الموسطة 1933م

د.علي صالح الخلاقي

من كتابه (الشهيد الشيخ أحمد أبوبكر النقيب- حيـاتـه واستشهـاده فـي وثائـق وأشعـار 1905- 1963م)

——-
بعد فشل مهمة ضباط سلاح الاستخبارات الجوية هو الملازم طيار “مونتغمري” في استكشاف يافع، الذي وصل إليها سراً ، فقوبل بطريقة لم يكن يتوقعها، كانت مفاجأة غير سارة له، حيث أَطلق رجال القبائل الأحرار رصاصات بنادقهم من أكثر من موقع إلى مكان إقامته، ولم يكمل رحلته كما خُطط لها وعاد خائباً من حيث دون أن يستطلع المنطقة ويقوم بمسح ميداني لها ولحدودها على الواقع، قبيل تسوية الحدود من قبل بريطانيا مع الإمام يحيى.
ثم لجأت بريطانيا إلى استكمال مسح حدود منطقة يافع جوياً، بواسطة طائراتها الحربية، لإتمام ما عجز عن تحقيقه “مونتغمري” على الأرض، وتعمدت في الوقت نفسه أن يكون تحليق طائراتها استفزازياً لإرهاب وتأديب القبائل التي أفشلت تلك الرحلة وقاومتها بالسلاح، وقد اجتمع مشايخ وأعيان الموسطة ووجهوا مذكرة كتابية لحكومة عدن عبروا فيها عن استياء الأهالي وطالبوا بوقف هذه الطلعات الاستفزازية. لكن الإدارة البريطانية لم ترد على هذه المذكرة، بل تجاهلتها وكررَّت تحليق طائراتها فوق مناطقهم، وهو ما اعتبروه تهديداً لأمنهم وسكينتهم واعتداءً على قراهم، فاتخذوا قراراً بضرب هذه الطائرات. وحدث أن حلَّقت طائرة حربية تابعة لسلاح الجو البريطاني على ارتفاع منخفض فوق قرى يافع – الموسطة الآمنة، فأثارت الرعب والخوف في نفوس السكان، فقام عبدالله عبدالقوي الجهوري ومحسن حسين الجهوري بتصويب بنادقهما الشخصية وإطلاق الرصاص عليها، فتمكنا من إصابتها. فأثارت هذه الحادثة حفيظة القوات الاستعمارية وغضبها واعتبرتها سابقة خطيرة لابد من معاقبة مرتكبيها. فطلبت في البدء من السلطان عيدروس بن محسن العفيفي ونقباء الموسطة معاقبة من تصفهم بالمجرمين أو تسليمهم إليها، ولكن هذا الطلب لم يتحقق، لتعاطف الجميع معهم وتأييدهم في عملهم البطولي هذا. ولذلك لجأت القوات الاستعمارية إلى سياسة قصف القرى وترويع سكانها وتشريدهم، فبعد أن تعرفت على مساكن آل الجهوري، عبر استخباراتها، وزعت عبر طيرانها إنذاراً إلى مساكن الجهاور في (دار السنينة ولَعْدَان) بتوقيع شمبيون السكرتير السياسي بعدن، جاء فيه:” ومن حيث أن نُقباء الموسطة ورؤساء يافع الآخرين أُمِرُوا بمعاقبة الجانين ولكنهم إلى الآن لم يستطيعوا إجراء العقاب، مع أنه قد أعطي لهم وقتاً واسعاً للقيام بذلك. ومن حيث أن الجهاورة من طرق أخرى أظهروا عداوتهم لحكومة جلالة الملكة ولم يعطوا ترضية للجرائم الحاصلة منهم فإن سعادة والي عدن وقائد جيشها العام أمر بإلقاء القنابل من الطيارات على قرى الجهاورة التي هي دار السنينة ولعدان بصفة عقاب وسيبتدئ ضرب القنابل بعد ساعتين من شروق شمس يوم الأربعاء تاريخ 4 شعبان سنة 1352هـ الموافق 22 شهر نوفمبر 1933م ويستمر إلى أن يُعطى إعلاناً آخر”. وفي نفس اليوم والشهر أرسلت الإدارة البريطانية أسراباً من الطائرات بلغ عددها 12 طائرة مقاتلة ونفذت على مدى ثلاثة أيام عشرات الغارات استهدفت قصف وتدمير قرى دار السنينة، لعدان، أعلى ضِيْك. فدمرت المنازل والحقت بها أضراراً بالغة، ونزح السكان إلى كهوف الجبال المحيطة والقرى الأخرى بحثاً عن الأمان. وبالتزامن مع القصف الجوي وزعت الطائرات منشورات في مناطق يافع تحذر وتنذر من تكرار مثل هذه الحادثة.
وقد قوبلت هذه الغارات ببسالة وصبر، وكان للدمار الذي الحقته أثر كبير في زيادة روح العداء للإنجليز، وقد صور الشاعر الشعبي المرحوم عبد الواحد بن ناصر عبد الله الرُّشيدي بألم ما حل بآل الجهوري وما لحق بقراهم من دمار وخراب، متسائلاً عن أولئك الخونة الذين دلوا الإنجليز أو كما يسميهم (الفرنج) متمنياً لو أن أعينهم تُصاب بالرمد أو أن يموتوا بـ”زَرْق عُود”، قال في قصيدته:

قال ابن ناصر لمه قلبي نهد
وخاطري بات بيجر النهود
عالجهوري ذي طرح بيته وشد
وأمسه عذلهم وهم جوف الحيود
من ذي شهد للفرنجي له رمد
واجعل له أصواب وألاّ زرق عود
خمسين طيار ذي ظلّه وكَدْ
دقه ديور الجهاور والعقود

لقد اختلط على الشاعر عدد الطائرات بسبب كثرة الغارات التي استمرت تباعاً على مدى ثلاثة أيام، ويتحسر الشاعر ومعه المواطنون في أنهم لا يملكون إلاَّ بنادقهم الشخصية وأياديهم، وليس بمقدورهم المساعدة في التصدي لهذه الغارات الوحشية، لكنه مع ذلك يدعو إلى عدم الذل أوالخضوع لإرادة المستعمر:

دار السنينه ولعدان ارتمد
يهوين عالجهوري قفل الأكود
كنا نساعد معه بندق ويد
حكم السماء ما حَدْ أقدر با يجود
واليوم يا الموسطه عا حد نشد
يا القبيله كل من قلبه حقود
وان قد حدا ذل ولا حد رقد
من بعد ذا الشيء يقع ليّ القيود

ولم يكتف البريطانيون بهذا العقاب بل أمروا بمنع دخول أي شخص من الموسطة إلى عدن، ووضعوا نقطة عند “باب السلب” قرب جبل حديد في عدن لتنفيذ ذلك. كما أمروا بمنع تموين الموسطة بأية مواد أو سلع عبر عدن، واستمر ذلك حتى قيام الحرب العالمية الثانية(انظر: ذكريات المناضل محمد صالح المصلي، ضمن كتاب “وثائق ندوة الثورة اليمنية، الانطلاقة التطور آفاق المستقبل” الجزء الثاني.صادر عن التوجيه المعنوي، شعبة البحوث والدراسات. ص 43).

د.علي صالح الخلاقي

من كتابه (الشهيد الشيخ أحمد أبوبكر النقيب- حيـاتـه واستشهـاده فـي وثائـق وأشعـار 1905- 1963م)

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى