صرخة الوعي: في محضر الصبيحة

 

خافظ الشجيفي

منذ فجر التاريخ، وقبيلة الصبيحة ليست مجرد اسم يتردد صداه على ألسنة المؤرخين، بل هي فضاء رحبٌ تتجلى فيه معاني الفروسية والشجاعة، وتتبلور فيه قيم النخوة والشهامة. فهي حجر الزاوية الذي يُبنى عليه صرح الجنوب، والسد المنيع الذي يحمي حياضه من غوائل الزمان. فقد أثبتت الصبيحة عبر الحقب أنها ليست مجرد قبيلة، بل هي أمةٌ في ذاتها، أمةٌ تُجيد فنون القتال كما تُجيد فنون الحياة، وتفخر بأبطالها وصناديدها كما تفخر بعلمائها ورجالاتها ومشائخها
إن تاريخنا الحافل بالانتصارات والبطولات يفرض علينا اليوم مسؤوليةً جسيمة، وهي أن نكون على قدر هذا الإرث العظيم. فأي خلاف بيننا مهما بدا بسيطًا أو تعاظم، يجب ألا يُحل بالسلاح. فالسيف الذي يُشهر في وجه الأخ هو سيفٌ يُغمد في خاصرة القبيلة كلها، والدماء التي تُسفك بين أبنائنا هي دماءٌ تُسقى بها بذور الفتنة والضعف. فالقتال بيننا ليس إلا انتحارًا جماعيًا، يضعفنا ويوهن قوتنا، ويُدمي قلوبنا، بينما يملأ قلوب خصومنا فرحًا وشماتةً. هم يراقبوننا من بعيد، ويُذكون نار الفتنة بيننا بكلمةٍ هنا وإشارةٍ هناك، ثم يصفقون لنا حين نُحقق لهم ما عجزوا عن تحقيقه بأيديهم فينا فنُسلمهم قوتنا وضعفنا على طبقٍ من ذهب.
إن قوتنا الحقيقية لا تكمن في قدرتنا على القتال، بل في قدرتنا على التنازل، وفي حكمتنا في التعامل مع الخلاف. فقد وهبنا الله من العقول والأفئدة ما يكفي لحل ألف مشكلةٍ قبل أن نمد أيدينا إلى السلاح. فينا العقلاء الذين يزنون الأمور بميزان الحكمة، وفينا النابغون الذين يرون الحلول حيث لا يراها غيرهم، وفينا الكوادر والقيادات والمشايخ الذين يستطيعون أن يجمعوا كلمة القبيلة على الحق والعدل والتماسك.
فلا يجب أن يكون السلاح هو الخيار الأول أو حتى الأخير لحسم خلافاتنا. فمكانة الصبيحة تقتضي منا أن نكون قدوةً في حل خلافاتنا، وأن نثبت للعالم أن القوة الحقيقية تكمن في تماسكنا وتكاتفنا، وفي قدرتنا على تجاوز الخلافات من أجل الحفاظ على بيتنا الكبير. فلنُحافظ على نسيجنا الاجتماعي من التمزق، ولنُرسخ في أجيالنا القادمة أن السلاح لا يُشهر إلا في وجه الأعداء، وأن قوتنا في وحدتنا وترابطنا وجمع كلمتنا..

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى