هل تنجح إسرائيل في إسقاط النظام الإيراني؟.. “النصر السريع” يواجه “مستنقع الاستنزاف”

كتب د.عمار دجران العمري

تحليل: في “معركة الزمن” بين تل أبيب وطهران، من يربح الرهان؟

في مشهد دراماتيكي غير مسبوق، تدخل الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران أسبوعها الثاني، بعد عملية “الأسد الزائر” و”الغضب الملحمي” التي انطلقت فجر الثامن والعشرين من فبراير، واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من قادة الحرس الثوري. بينما تعلن تل أبيب تحقيق أهدافها، يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع إسرائيل حقاً إسقاط النظام في طهران، أم أنها تكرر سيناريوهات “المستنقعات” السابقة في المنطقة؟

*ثلاثة أهداف.. والرهان الأكبر*

تكشف المعطيات الميدانية والتصريحات الرسمية عن ثلاثة أهداف رئيسية تسعى إسرائيل، بتنسيق كامل مع واشنطن، لتحقيقها:

*أولاً: تفكيك الترسانة العسكرية*
منذ اللحظات الأولى، استهدفت الضربات الجوية أكثر من أربعة آلاف هدف، شملت منصات صواريخ ومنظومات دفاع جوي. ويؤكد الجيش الإسرائيلي تدمير أكثر من ثلاثمئة منصة إطلاق ومئة وخمسين منظومة دفاع جوي. لكن التحدي الأكبر، كما يشير خبراء عسكريون، يكمن في “الطبيعة اللامركزية” للقوة الصاروخية الإيرانية. فإيران تمتلك آلاف الصواريخ المنتشرة على منصات متنقلة، مع قدرة إنتاجية تصل إلى مئات الصواريخ شهرياً. وفي غياب القضاء التام على هذه المنظومة، قد تتحول الحرب إلى “لعبة قط وفأر” تستنزف مخزون التحالف من الذخائر الدقيقة باهظة الثمن.

*ثانياً: قطع رأس الأفعى*
تمكنت الضربة الافتتاحية من اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي إلى جانب عدد من قادة فيلق القدس. ويهدف هذا السيناريو إلى شل عملية اتخاذ القرار في طهران. لكن التساؤل المطروح: هل يؤدي اغتيال القيادة إلى انهيار النظام أم إلى تشدده؟ التجارب السابقة، مثل اغتيال قاسم سليماني، تشير إلى أن الحرس الثوري يزداد تماسكاً في الأزمات، وقد يتحول النظام إلى “كيان عسكري أمني” أكثر تشدداً وانعزالية.

*ثالثاً: إنهاء البرنامج النووي وتغيير النظام*
هذا هو الهدف الأبعد والأكثر طموحاً، والذي صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد دمرت الضربات منشأة “نطنز” ومواقع أخرى، وكشف عن تدمير منشأة سرية في “مينزاده”. ودعا ترامب الإيرانيين صراحة إلى “تولي حكومتكم”. لكن المعضلة الكبرى أن القضاء على البرنامج النووي نهائياً يتطلب إما احتلالاً برياً – وهو خيار مستبعد – أو انهيار النظام من الداخل، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
*السيناريوهات المطروحة: بين الانهيار والصفقة*

أمام هذا المشهد المعقد، يرى المحللون ثلاثة سيناريوهات محتملة:

· *الانهيار والفوضى:* حيث تنزلق إيران إلى حرب أهلية أو صراع على السلطة، وقد يملأ الحرس الثوري الفراغ محوّلاً البلاد إلى ديكتاتورية عسكرية أكثر تشدداً.
· *صفقة سياسية:* تدخل بموجبها إيران في مفاوضات خلفية تبقي النظام بشكل أضعف، مقابل وقف الحرب، على غرار النموذج الفنزويلي.
· انتقال منظم: وهو السيناريو الأقل احتمالاً، حيث يسقط النظام مع بقاء الجيش خارج السياسة، وتتشكل سلطة انتقالية بدعم دولي.

*العامل الحاسم: اللاعبون الكبار وجبهات النار*

لا تقتصر المعادلة على إسرائيل وإيران فقط، بل تمتد لتشمل قوى دولية وإقليمية قد تقلب الموازين:
· *روسيا والصين* : تمتلك موسكو قواعد في إيران ولها مصالح استراتيجية في “محور المقاومة”، فيما تملك بكين استثمارات ضخمة واتفاقية أمنية مع طهران. تدخل هاتين القوتين دبلوماسياً أو عسكرياً يمكن أن يحول دون تحقيق إسرائيل لأهدافها.
· *الجبهات المفتوحة:* “حزب الله” بترسانته الهائلة، والحوثيون، والفصائل في العراق وسوريا، سينخرطون جميعاً في الحرب. هذا يعني أن إسرائيل ستواجه حرباً متعددة الجبهات، قد تستنزف دفاعها الجوي وتخلق أزمة اقتصادية واجتماعية داخل إسرائيل.
· الاقتصاد العالمي: حرب تستمر لأسابيع في الخليج سترفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وقد تغلق مضيق هرمز، مما يضرب الاقتصاد العالمي (الصين، الهند، أوروبا) في مقتل، ويخلق ضغوطاً دولية لوقف الحرب.

*معركة الزمن: من يربح الرهان؟*

الحرب اليوم هي “معركة زمن” بامتياز. إيران تراهن على قدرتها في تحويلها إلى حرب استنزاف طويلة، قد تمتد لعامين، تستنزف الخزينة الأمريكية وتضرب الاقتصاد العالمي. في المقابل، تراهن واشنطن وتل أبيب على أن الصدمة العسكرية ستحقق أهدافها في غضون أسابيع، وأن الضغط على القيادة والقدرات سيمنع إيران من مواصلة الرد.

المؤشرات الأولية تشير إلى أن إيران لم تنهر، وقدرتها على الرد ما زالت قائمة، وإن كانت تواجه أصعب اختبار لها منذ قيام الجمهورية الإسلامية. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن إسرائيل من فرض “سلام المنتصر”، أم أن المنطقة على موعد مع حرب إقليمية مفتوحة تعيد رسم حدودها من جديد؟

✍🏻 د. عمار دجران بن عبدالجبار العمري
.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى