إلى ما وراء القمر.. أرتميس 2″ تكسر الرقم القياسي لأبعد رحلة بشرية عن الأرض

أبين ميديا /القاهرة الإخبارية – سامح جريس
انطلقت مهمة أرتيميس-2، في الأول من أبريل الجاري، لتُسجل أول رحلة بشرية مأهولة نحو القمر منذ عام 1972، حاملةً على متنها أربعة رواد فضاء، هم: ريد وايزمان، فيكتور جلوفر، وكريستينا كوخ من وكالة ناسا، إلى جانب الكندي جيريمي هانسن.
وفي يوم الاثنين، كتب هؤلاء الأربعة تاريخًا جديدًا حين أصبحوا أبعد البشر عن الأرض على الإطلاق، متجاوزين عتبة الفضاء العميق التي لم يجرؤ أحد على تخطيها منذ أكثر من نصف قرن.
رقم أبوللو-13 يسقط
ظل رواد أبوللو-13 أصحاب الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها إنسان عن الأرض منذ عام 1970، حين اضطر الطاقم بقيادة جيم لوفيل، برفقة فريد هايز وجاك سويجرت، إلى التخلي عن الهبوط على القمر؛ إثر انفجار أحد خزانات الأكسجين، فلجأت غرفة التحكم إلى مسار العودة الحرة، مستعينةً بجاذبية الأرض والقمر، بأقل استهلاك ممكن للوقود، ليبلغ الطاقم أقصى مسافة 248,655 ميلًا عن الأرض قبل أن يُنقذوا أنفسهم بالعودة.
أما أرتيميس-2، فقد سلك المسار ذاته على شكل رقم ثمانية، غير أنه تجاوز ذلك الرقم التاريخي ليصل إلى 252,760 ميلًا، بفارق يزيد على أربعة آلاف ميل، وفق ما أوردته صحيفة بوليتيكو.
ووصفت رائدة الفضاء كريستينا كوخ هذا الإنجاز بأنه “معلم مهم يستطيع الناس استيعابه وفهمه”، يجمع إرث الماضي بطموحات المستقبل.
ست ساعات في أحضان القمر
شكّل التحليق القمري المحطة الأبرز في المهمة، إذ أمضى الرواد نحو ست ساعات في مدار قريب من القمر دون هبوط، مُقسَمين إلى ثنائيات تناوبت على التصوير ورصد السطح.
وأفادت نيويورك تايمز بأن الطاقم استهدف نحو 35 معلمًا على السطح القمري، فيما نقلت بوليتيكو عن عالمة الجيولوجيا في ناسا كيلسي يونج، أن الرواد تمكنوا من رؤية “أجزاء واضحة من الجانب الخلفي للقمر لم يشاهدها إنسان من قبل”، من بينها قسم كبير من حوض أورينتالي.
وكان القائد ريد وايزمان قد استبق التحليق بحماس لافت، حين رصد القمر عبر عدسة تيليفوتو، ليلة السبت، قائلًا بإعجاب: “أرى تايكو والجبال شمالًا وكوبرنيكوس وراينر جاما… كل ما تدربنا عليه لكن في ثلاثة أبعاد، لا يصدق”، إذ حرص فريق الدعم العلمي على إعداد بطاقات تعليمية لجغرافيا القمر للرواد قبل الرحلة، وأمضوا شهورًا طويلة في تدريبات بصرية على محاكاة السطح القمري؛ استعدادًا لهذه اللحظة.
كسوف شمسي حصري
لم تقتصر مفاجآت الرحلة على الأرقام القياسية، إذ حظي الرواد بمشهدَين فلكيَين نادرَين لا يُتاحان إلا من تلك الزاوية الفريدة في الكون.
الأول كان كسوفًا شمسيًا كاملًا دام 53 دقيقة، حين حجب القمر الشمس بالكامل كاشفًا الهالة المتوهجة، ولم يستطع أحد على الأرض مشاهدته؛ لأن زاوية الرؤية كانت حكرًا على كبسولة أوريون وحدها، وفق بوليتيكو.
أما المشهد الثاني فكان لحظة “شروق الأرض”؛ حين برزت كوكبنا الأزرق من خلف القمر.
انقطاع الاتصال وعودة آمنة
تشير نيويورك تايمز إلى أن من أكثر اللحظات توترًا في المهمة، تلك التي اختفت فيها كبسولة أوريون خلف القمر قرابة أربعين دقيقة، منقطعةً كليًا عن غرفة التحكم، وهو سيناريو مألوف لمن عاشوا قلق مهمات أبوللو.
وما إن استعاد الرواد تواصلهم مع الأرض حتى بدأت رحلة العودة، المُقدَّرة بأربعة أيام، نحو هبوط مائي في المحيط الهادئ قرب سان دييجو في العاشر من أبريل.
وفي طريقهم، ينتظر الطاقم لقاء استثنائي لم يحدث في تاريخ الفضاء من قبل، إذ سيتواصلون عبر الراديو مع رواد محطة الفضاء الدولية، لتكون المرة الأولى التي يجد فيها رواد في طريقهم إلى القمر، زملاءهم في مدار الأرض على الخط ذاته.
وتكتسب هذه المحادثة بُعدًا تاريخيًا إضافيًا، إذ ستجتمع كريستينا كوخ، على متن أوريون، بزميلتها جيسيكا مير على المحطة، وهما معًا صنعتا التاريخ عام 2019؛ حين أتمتا أول سير فضائي نسائي خالص.
تحديات تقنية وروح لا تُكسر
لم تخلُ الرحلة من عقبات تقنية كشفت عنها نيويورك تايمز، أبرزها رصد الرواد رائحة احتراق غريبة على متن المركبة، السبت الماضي، لا يزال المهندسون يحققون في مصدرها، إضافة إلى خلل في نظام صرف مياه النفايات الذي وصفه مدير الرحلة ريك هنفلينج، بأنه “مشكلة هندسية معقدة ناجمة عن تعرض السوائل للفراغ”، غير أن هذه التحديات لم تُطفئ الحماس، ففي صباح الأحد استيقظ الرواد على رسالة مُلهِمة من رائد أبوللو-16 تشارلي دوك، آخر من مشى على القمر عام 1972، هنأهم فيها على مواصلة مسيرة العودة البشرية إلى القمر.
وختم مدير الرحلة فريلينج بنظرة مستقبلية طموحة، قائلًا لبوليتيكو: “سنرصد القمر ونرسم ملامحه، ثم نعود إليه بقوة”، في إشارة إلى مشاريع ناسا لإنشاء قاعدة قمرية دائمة تضم مركبات هبوط وعربات جوالة وطائرات مُسيّرة ومحطات إقامة.








