ومن شامخات الجبال ابتدينا… من مستشفى رُصُد إلى الدكتور قاسم بحيبح وزير الصحة العامة والسكان

كتب/ د. صلاح زيد جرهوم

من بين جبال مديرية يافع رُصُد بمحافظة أبين، وتحت شعار “أبين أولاً “، انطلقت تجربة عملية أثبتت أن الإرادة الصادقة قادرة على صناعة الفارق، حتى في أصعب الظروف. فمن مستشفى رُصُد كانت البداية، حيث تحولت الفكرة إلى مشروع عمل، والعمل إلى إنجاز يراه الجميع.

في شهر أبريل 2026 بدأت مرحلة الإعداد، وكانت فرق العمل أشبه بخلية نحل لا تهدأ، تعمل ليلاً ونهاراً في الترميم والتجهيز والتنظيم وتوفير الاحتياجات الأساسية، استعداداً لولادة مرحلة جديدة في تاريخ المستشفى. لم يكن الطريق سهلاً، لكن الإصرار كان أكبر من كل التحديات.

وفي الأول من يونيو 2026 أعلن مستشفى رُصُد بداية عهد جديد، بعدما غادر صورته السابقة التي كانت توصف بأنها من بين الأضعف في المحافظة، ليصبح نموذجاً يُشار إليه بالبنان، ليس على مستوى أبين فحسب، بل بين المستشفيات الحكومية الأكثر نشاطاً وتميزاً على مستوى الجمهورية.

وخلال شهر ونصف فقط، حقق المستشفى نتائج لافتة، بإجراء 226 عملية جراحية، واستقبال 6795 حالة معاينة، مع تشغيل مختلف أقسام المستشفى بكفاءة وانتظام، في إنجاز يعكس روح الفريق والعمل المؤسسي والإدارة الفاعلة.

إن ما تحقق في مستشفى رُصُد لم يكن حدثاً عابراً أو نجاحاً مؤقتاً، بل رسالة واضحة تؤكد أن إصلاح المرافق الصحية الحكومية يبدأ بالإدارة والإرادة، وأن الإمكانات المحدودة لا ينبغي أن تكون عذراً لتعطيل مصالح المواطنين.

وما تشهده اليوم العديد من المستشفيات الحكومية من تنافس وسعي نحو التطوير، كان لمستشفى رُصُد شرف أن يكون من أوائل من أطلقوا شرارة هذا التوجه من محافظة أبين.

إلى معالي الدكتور قاسم محمد بحيبح، وزير الصحة العامة والسكان، نقول: إن مستشفى رُصُد، بكل كوادره الطبية والإدارية والفنية، يقدم اليوم نموذجاً عملياً يستحق الدعم والاحتضان، لأنه أثبت أن النجاح يصنعه الإنسان قبل الإمكانات.

لقد انطلقت هذه التجربة دون دعم حكومي أو وزاري مباشر، ولم تتخذ من ضعف الإمكانات شماعة للتراجع، بل اتجهت إلى إشراك المجتمع في مسؤولية البناء، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المستشفى ملك للمواطن قبل أن يكون مؤسسة حكومية، وأن المجتمع عندما يشعر بأن المرفق الصحي يمثله ويحميه، يصبح شريكاً حقيقياً في نجاحه.

وجاء الدعم المحدود من أبناء يافع في المهجر، ممثلاً بجالية يافع في الصين، وبمبادرة من الشيخ نايف جرهوم، التي تمثلت في دعم فريق جراحي ورواتب تشغيلية لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد وفقاً لنجاح التجربة. وبرغم محدودية هذا الدعم، كانت نتائجه كبيرة لأنه وُظف بإخلاص وكفاءة.

ومن هنا، انتقل مستشفى رُصُد، المصنف ورقياً كمستشفى ريفي، إلى أداء يضاهي المؤسسات الصحية الكبرى، مثبتاً أن معيار النجاح الحقيقي ليس حجم المبنى أو التصنيف الإداري، وإنما جودة العمل والإدارة وروح المسؤولية.

ختاماً، فإن ما تحقق في مستشفى رُصُد يمثل ثورة حقيقية في مسار العمل الحكومي، وتجربة تستحق أن تُعمم وتُدعم، ونأمل من معالي وزير الصحة أن يكون السند لهذه التجربة، وأن يفتح لها أبواب التطوير والاستمرار، حتى تصبح نموذجاً وطنياً يُحتذى به في مختلف المحافظات.

ومن شامخات الجبال ابتدينا… وما بدأ بالإخلاص والعمل لن يتوقف ما دام الهدف خدمة الإنسان والوطن.

أبيات ختامية

أيا ثورةَ الوعي سيري عزيزة
ففي دربِكِ المأمولِ حتماً مضينا

ومن رُصُد أشرقَ الفجرُ شاهداً
بأنَّ العزائمَ بالعملِ ارتقينا

إذا الشعبُ أحيا المرفقَ العامَّ صادقاً
رأى من ثمارِ الجدِّ ما قد جنينا

لجأنا إلى شامخاتِ الجبالِ عزماً
ومن شامخاتِ الجبالِ ابتدينا

ولا يفوتنا في ختام هذا المقال أن نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى منظمة الأمم المتحدة لخدمات المشاريع اليونبس (UNOPS)، التي كان لها دورٌ بارز في تأهيل مستشفى رُصُد، من خلال تزويده بالتجهيزات والمعدات والأجهزة الطبية، وهو ما أسهم في تهيئة البيئة المناسبة لانطلاق هذه التجربة المتميزة وتحقيق نتائجها المشهودة.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى