في أبين… الإسعاف أسرع إلى بوابة الخروج!

الكاتب ـ  منصور محمد شايع العامري

في أبين يبدو أن بعض المستشفيات اكتشفت تخصصاً طبياً جديداً لا يُدرّس في كليات الطب ولا تعترف به منظمة الصحة العالمية لكنه يُمارس بإتقان: فنّ كتابة التحويلة.
تدخل مريضاً… فتخرج بورقة.
تدخل طفلاً محروقاً… فتخرج بعنوان مستشفى في محافظة أخرى.
أما العلاج فقد أصبح مسافراً دائماً لا يقيم في أبين إلا عابراً.
رحلت فاطمة سعيد حسن ولم ترحل وحدها؛ رحل معها سؤال كبير لا يزال يتجول بين أروقة المستشفيات: أين يذهب المواطن حين يصبح المستشفى نفسه محطة عبور؟
يا للسخرية… لدينا مبانٍ جميلة ولافتات كبيرة ومكاتب مكيفة واجتماعات لا تنتهي وتصريحات تتحدث عن “تطوير القطاع الصحي” لكن حين يصرخ طفل من شدة الألم لا يجد سوى سيارة إسعاف تبحث له عن محافظة أخرى.
وكأن الرسالة المعلقة على أبواب المستشفيات تقول: “أهلاً بكم… نحن نستقبل الحالات فقط أما علاجها فاسألوا المحافظات المجاورة.”
أي مفارقة هذه؟ مستشفى عام لا يستطيع احتواء حالة حروق. وطوارئ قد تتحول إلى انتظار وأجهزة قد تكون معطلة أو غائبة. والنتيجة أن الطريق إلى عدن أو لحج أو حضرموت أصبح جزءاً من الخطة العلاجية.
في أبين يبدو أن التحويلة أصبحت أسرع من الطبيب والختم أسرع من التشخيص والاعتذار أسهل من تحمل المسؤولية.
والأشد إيلاماً أن الخبر يمضي كأنه رقم جديد في سجل طويل.
لا بيان يشرح ولا مراجعة تعلن
ولا مساءلة تطمئن الناس أن الخطأ لن يتكرر.
إن وفاة فاطمة ليست مجرد قصة فردية بل جرس إنذار يدعو إلى مراجعة واقع الخدمات الصحية وتقييم جاهزية المستشفيات وتعزيز قدراتها بما يكفل تقديم الرعاية العاجلة للمواطنين داخل المحافظة قدر الإمكان.
فالناس لا تطلب المستحيل.
لا تريد قصوراً من الرخام.
ولا مؤتمرات صحفية.
ولا صوراً تذكارية.
كل ما تريده هو أن يدخل المريض إلى مستشفى وهو يحمل أملاً بالخروج معافى لا أن يخرج منه حاملاً ورقة تحويل وربما لا يصل إلى وجهته الأخيرة.
رحم الله فاطمة سعيد حسن وألهم أهلها الصبر والسلوان.
ولعل رحيلها يكون بداية سؤال لا يجوز أن يبقى بلا جواب: متى تصبح مستشفيات أبين أماكن للعلاج… لا محطات للعبور؟

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى