حقبة عملاقة جديدة.. أوروبا تترنح تحت وطأة حرائق الغابات وشيخوخة الريفيين

أبين ميديا /القاهرة الإخبارية – سامح جريس

 

لم تعد حرائق جنوب أوروبا مجرد كوارث موسمية عابرة، فما تشهده فرنسا وإسبانيا هذا الصيف يُعيد رسم المشهد من جذوره، إذ تكسر الحرائق الأرقام القياسية، والأرياف الخالية تُغذي النيران، وصناعات عريقة تترنح تحت وطأة الدخان.

 

وتجاوزت مساحة الحرائق في كلٍ من فرنسا وإسبانيا 100 ألف فدان لكلٍ منهما، وهي الأضخم في تاريخ البلدين، بل تفوق في حجمها كل حرائق غرب الولايات المتحدة العام الماضي ما عدا 6 منها، وفقًا لما رصدته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

 

حقبة الحرائق العملاقة

وهذا الواقع دفع الأكاديمية الملكية الإسبانية للهندسة إلى الإعلان صراحة عن دخول البلاد “حقبةً جديدة من الحرائق العملاقة”، مستندة إلى حقيقة راسخة مفادها أن البشرية لن تستطيع القضاء على الحرائق نهائيًا، وأن عليها أن “تتعلم التعايش معها”.

 

والظاهرة ليست حكرًا على أوروبا، ففي كندا بلغت المساحة المحترقة عام 2023 سبعة أضعاف المعدل التاريخي، وفي البرازيل التهمت نيران عام 2024 من غابات الأمازون مساحة تعادل مساحة بلجيكا بأكملها، فيما سُجِلت تسع من أكبر عشر حرائق في تاريخ كاليفورنيا خلال العقد الماضي وحده.

 

المناخ يشعل الفتيل.. والريف الخالي وقوده

يُجمع العلماء على أن الاحترار العالمي هو المحرك الرئيسي لهذه الظاهرة، إذ قالت البروفيسورة جينيفر بالش من جامعة كولورادو، لصحيفة “نيويورك تايمز”، إن “المناخ المتغير يُمهد الطريق لنيران أكثر حدةً وسرعةً واتساعًا”.

 

غير أن الصحيفة كشفت أن ثمة عاملًا موازيًا لا يقل خطورةً، يتمثل في موجة النزوح الجيلي عن الأرياف التي أفضت إلى تكاثر الأعشاب والشجيرات المتشابكة بصورة عشوائية في غياب الفلاحين.

 

وأكد البروفيسور إميليو تشوفيكو من جامعة الكالا الإسبانية أن “التغيرات الاجتماعية بالغة الأهمية بجانب تغيُر المناخ”، مشيرًا إلى أن إدخال الأغنام والماعز للرعي ربما يُسهم في الحل، لكن شيخوخة سكان الريف وتناقصهم يجعل ذلك أمرًا بالغ الصعوبة.

 

وتزيد المفارقة تعقيدًا حين يُنبه البروفيسور بارك وليامز من جامعة كاليفورنيا إلى أن نجاح فرق الإطفاء في إخماد الحرائق الصغيرة قد يُراكم الغطاء النباتي ويُهيئ لكوارث أضخم مستقبلًا، بمعنى أن “نجاح الإخماد اليوم يرفع الرهانات لحرائق أكبر غدًا”.

 

الحلول الحقيقية بعيدة عن الأضواء

في مواجهة هذه المعضلة المركبة، يُحذر الباحث تياجو أوليفيرا من جامعة لشبونة، بحسب “نيويورك تايمز”، من الوقوع في فخ الاستجابة السريعة بشراء مزيد من الطائرات والمعدات، مؤكدًا أن “ما نحتاجه ليس مزيدًا من الطائرات، بل سياسات وحوافز أفضل”.

 

وتشمل الحلول المقترحة استقطاب تمويل خاص لمشروعات استصلاح الغابات، وإحياء الأراضي الرعوية عبر دعم منتجات الألبان واللحوم المحلية، مع التركيز على استعادة دور سكان المدن الذين باتوا يعانون من الدخان ويحتفظون بصلات عاطفية بأريافهم، ما يجعلهم شركاء محتملين في مسيرة الإصلاح.

 

صناعة عريقة تختنق بين النيران والخسائر

على الصعيد الاقتصادي، رصدت “فايننشال تايمز” تداعيات مباشرة على واحدة من أعرق الصناعات الفرنسية، إذ أدت الحرائق المشتعلة حول حوض أرشاشون -يقع في منطقة جيروند جنوب غربي فرنسا- إلى شلل شبه تام لنحو نصف مزارع المحار في شبه جزيرة كاب فيريه، حيث تعذر على المزارعين الوصول إلى مزارعهم وأُغلقت أكشاك البيع السياحية التي تُدر وحدها ما بين 30 و40% من إيراداتهم السنوية في هذا الموسم تحديدًا.

 

وصمد بعض المزارعين رافضين أوامر الإخلاء، كالمزارع كزافييه بلانكين الذي أبقى قاربه جاهزًا للانسحاب في أي لحظة، فيما وصف أوليفيه لابان رئيس اللجنة الإقليمية الوضع بأنه “القشة التي قصمت ظهر البعير”، في إشارة إلى تراكم الأزمات من إغلاقات صحية متكررة بسبب تلوث نوروفيروس، إلى حظر حصاد استمر ثلاثة أسابيع خلال موسم الأعياد 2023-2024.

 

وتكشف أرقام وزارة الزراعة الفرنسية أن إنتاج المحار بلغ عام 2024 أكثر من 81 ألف طن بقيمة تجاوزت 407 ملايين يورو، لكنه تراجع بنسبة 10 % في الحجم و21 % في القيمة، وهو ما يجعل خسائر هذا الصيف أثقل وطأةً مما تبدو عليه الأرقام.

 

ويبقى خطر التلوث قائمًا حتى بعد انحسار الحرائق، إذ قد تجرف الأمطار الرماد والتربة المحترقة نحو المياه الساحلية مهددةً جودة المياه لفترة مفتوحة.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى