قصيدة: “ميزانُ الحقِّ”

بقلم : الشيخ أحمد سعيد العمودي

قال العمودي أحمدُ مبتدئاً بالذكرِ
يا خالقَ الأكوانِ والأفلاكِ في القَدَرِ
لكَ الحمدُ ما لاحَ نجمٌ في الدُجى وسَطَع
ولكَ الثناءُ ما جرى القلمُ على الوَرَقِ

أيا إلهي هبْ لعبدِكَ في الدنيا يُسْرِ
رزقاً حلالاً طيباً ينجي من الخَطَرِ
وفي المعادِ رضاً يكونُ شفيعَ العُمُرِ
واغفرْ ذنوباً أثقلتْ ظهريَ من الكَدَرِ

أنتَ الإلهُ ومنكَ يأتي النورُ للبَشَرِ
وباسمِكَ انجلتْ ظلماتُ الجهلِ والسَفَرِ
لا ربَّ لي سواكَ في السراءِ وفي الضَرَرِ
وبيدِكَ الأمرُ كُلُّهُ فدبِّرْ لي قَدَري

أنتَ المُزيلُ لِهَمِّ القلبِ إن عَصَفَتْ
رياحُ الدنيا بالفتنِ وبالمكرِ
وتُثبِّتُ الفؤادَ عندَ التنادي إن حَضَرِ
يومُ الحسابِ فيهِ يرتجفُ قلبُ البَشَرِ

ما لي سوى بابِ الرحمةِ أقفُ على الأَثَرِ
أقرعُهُ بدمعِ التوبةِ والخوفِ والحَذَرِ
يا واسعَ العفوِ تجاوزْ عن زلتي وقِصَرِ
وارحمْ ضعيفاً جاءَكَ يرجو جبرَ الكَسَرِ

رجوتُ ربي عفواً يمحو ما سَلَفَ وذَكَرِ
ويرتضينيَ عبداً تافهَ العملِ والصُوَرِ
فإن رضيتَ هانَ كلُّ عسرٍ وانجبرِ
وإن سخطتَ فمنْ يُنجيني من سَقَرِ

من للمساكينِ في زمنِ الغرورِ غيرُكَ يَنْصُرِ
ومن يُضيءُ الدربَ للحيارى في السَفَرِ
ومن يُنزلُ الغيثَ على قلبٍ جَفا ومَطَرِ
ويمنُّ على تائبٍ بالخيرِ بعدَ العُسْرِ

يا ربُّ هذا تاريخُ أُمَّةٍ علتْ بالقَدَرِ
حينَ أقامتْ شرعَكَ ورفعتْ رايةَ النَظَرِ
بالعلمِ والعدلِ سادتْ في البرِّ والبَحَرِ
وصارتْ منارةً يهتدي بها كلُّ بَشَرِ

بغدادُ كانتْ عاصمةَ الدنيا في الزَهَرِ
وفي بيتِ الحكمةِ العلومُ تُصاغُ من دُرَرِ
المترجمُ يوزنُ ما نقلَ بالذهبِ ويُفتَخَرِ
والعالمُ تاجٌ فوقَ هاماتِ الأُمَمِ يُعتَبَرِ

قامَ المأمونُ فأحيا للورى سُنَنَ النَظَرِ
والمعتصمُ سيفُ الحقِّ لم يَمِلْ ولم يَجُرِ
والخوارزميُّ أصلُ الرقمِ في يدهِ استَقَرِ
وابنُ الهيثمِ فتحَ للبصرياتِ كلَّ مَدَرِ

من الشرقِ يأتي الطالبُ يبغي هُدى البَشَرِ
ومن الأندلسِ يشدُّ الرحلَ لطلبِ الأَثَرِ
كتبٌ تُنسَخُ والمكتباتُ عامرةٌ بالسِيَرِ
والدينُ والدنيا اجتمعا على العدلِ في سَفَرِ

ثم أتى زمنٌ مالتْ فيهِ موازينُ البَشَرِ
فصارَ المجدُ للهوِ والغناءِ وطبلِ الوَتَرِ
وصارَ حلمُ الأبِ لاعباً ومغنياً مُشتَهَرِ
ونُسّيَ العالمُ في زاويةٍ يبكي على الحَجَرِ

يا قومُ عودوا لميزانِ الأوائلِ في الأَثَرِ
فالعزُّ في العلمِ لا في الزيفِ ولا في الخَبَرِ
الأممُ لا تُبنى بالترفيهِ ولا بالسَمَرِ
إنما تُبنى بعقولٍ تعمرُ الفكرَ وتَصْبِرِ

يا دولةَ العثمانِ يا سَدَّ الدينِ في الخَطَرِ
ستَّ قرونٍ حميتِ الحرمَ من كيدِ الكَفَرِ
حملتِ رايةَ الخلافةِ في عزِّكِ وافتَخَرِ
حتى غدا اسمُكِ في التاريخِ أعلى من الحَجَرِ

شُوِّهتِ ظُلماً في كتبٍ بيعتْ بالدَرَهِ
وقالوا عنكِ سببَ التخلفِ والجَهَلِ
ونسوا بأنكِ الحِصنُ حينَ عَصَفَ الخَطَرِ
وصددتِ جيوشَ الصليبِ والمدَّ الاستعماريَّ فانكَسَرِ

عبدُ الحميدِ نادى للجامعةِ يجمعُ الشَمَلِ
وسكةُ الحجازِ ربطتْ قلوبَ الناسِ في السَفَرِ
حتى أطاحتْ بهِ أيادي الغدرِ والمَكَرِ
فانفرطَ العقدُ وسادَ التمزقُ والضَرِ

في الثالثِ من آذارَ سقطتْ خلافةُ العُمُرِ
أُلغيتْ بقرارٍ فتفرقتْ في الأرضِ المِلَلِ
ضاعَ الرمزُ الجامعُ فصرنا شيعاً من البَشَرِ
وصارَ الذلُّ لباسنا بعدَ عزٍّ قد نُشِرِ

يا أُمَّتي إنَّ التاريخَ شاهدٌ على البَشَرِ
من زرعَ العلمَ حصدَ العزَّ وطالَ الأَثَرِ
ومن باعَ دينَهُ بدنيا فانيةٍ وانحَدَرِ
عاشَ ذليلاً تحتَ أقدامِ الذلِّ والكَدَرِ

فانهضْ بقلمٍ لا ينامُ عن قولِ الحقِّ في النَظَرِ
واكتبْ بدمعِ الحُرِّ لا بحبرِ الزيفِ والخَبَرِ
فالكتابُ أغلى من الذهبِ إذا صدقَ السِيَرِ
والعالمُ أحقُّ بالتكريمِ من صاحبِ الوَتَرِ

قال العمودي أحمدُ خاتماً نظمَهُ في السَحَرِ
اللهمَ اجمعْ شملَ المسلمينَ على هُداكَ واغفِرِ
واردُدْ لنا مجدَ الأوائلِ وارفَعْ رايةَ الظَفَرِ
واجعلْ كتابَكَ دستوراً يهدينا من الخَطَرِ
واختمْ لنا بالرضا يا خالقَ الأجلِ والقَدَرِ

بقلم ✍🏻: الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
قصيدة “ميزانُ الحقِّ” قراءة تاريخية وثائقية.
قصيده تجمع بين 3 أرواح في جسد واحد:
1- روح التضرع لله : تبدأ بالله وتختم بالله، فتثبت أن كل مجد بلا توحيد سراب.
2- روح التاريخ : توثق وتسرد محد العصر العباسي وبيت الحكمة، ثم الدولة العثمانية وسقوط الخلافة بأسلوب وثائقي دقيق.
3- روح النقد والإصلاح : تضرب على وتر الألم اليوم – انقلاب الموازين وتقديم الترف على العلم. ونقد إنحراف سلم القيم، وتخاطب العقل الوجدان، وتدعوا للعوده إلى ميزان العلم كطريق العزة.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى