هل انتقلت الحرب اليوم من الجبهات اليمنية إلى الإقليم؟

بقلم: صالح الفضلي
لم تعد التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن والسعودية مجرد جولة جديدة من جولات التصعيد التي اعتادتها المنطقة خلال سنوات الحرب الطويلة. فالهجمات التي شنتها القوات الحوثية فجر اليوم على الأراضي السعودية، لا سيما استهداف منشآت ومواقع في الجنوب السعودي، تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب اليمنية مع الصراع الأمريكي ـ الإيراني واضطراب حركة الملاحة وأسواق الطاقة.
وقد أفادت وكالة رويترز، اليوم 8 سبتمبر، بأن الهجمات الحوثية أدت إلى تعطيل عمليات في بعض منشآت الطاقة السعودية، وإصابة أكثر من 70 شخصًا، بينما ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات هي الأعلى في عدة أسابيع وسط مخاوف من اتساع رقعة الحرب.
وهنا تبرز نقطة جوهرية: هل نحن أمام مجرد تصعيد عسكري جديد، أم أمام نقطة تحول يمكن أن تعيد رسم قواعد الحرب اليمنية والإقليمية؟
في تقديري، نحن أمام الاحتمال الثاني.
من الحرب على الحوثي إلى الحرب الإقليمية
منذ هدنة عام 2022، حاولت السعودية تجنب العودة إلى حرب مفتوحة مع الحوثيين، وركزت بدرجة كبيرة على المسار السياسي والدبلوماسي، أملاً في الوصول إلى صيغة تنهي الحرب أو تجمدها على الأقل.
لكن المعادلة بدأت تتغير.
فخلال الأشهر الأخيرة، لم يعد التصعيد الحوثي محصورًا في الجبهات اليمنية. وقد ربطت تقارير رويترز بين تصاعد الهجمات على السعودية وبين تراجع فرص استمرار التهدئة التي استمرت عدة سنوات. كما تحدثت الوكالة في يوليو عن مؤشرات على اقتراب اليمن من تجدد الحرب، في ظل حشد عسكري وتصاعد الهجمات على البنية التحتية السعودية والملاحة.
الأكثر دلالة أن الحوثيين بدأوا، وفق رويترز، استخدام البحر والممرات المائية كجزء من أدوات الضغط على السعودية والمصالح المرتبطة بها، في وقت تزامن فيه ذلك مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر والخليج.
وهذا يعني أن الحوثيين قد يكونون بصدد نقل المعركة من معادلة:
الحرب على الحوثي داخل اليمن
إلى معادلة أكثر اتساعًا:
«أي محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى داخل اليمن ستقابل بتوسيع نطاق الحرب إلى السعودية والمنطقة».
وهذه، إذا ترسخت، ستكون أخطر نقطة تحول منذ هدنة 2022.
فالرسالة الحوثية المحتملة ليست عسكرية فقط، وإنما سياسية أيضًا: إذا قررت الرياض أو حلفاؤها اليمنيون الانتقال من سياسة الاحتواء إلى الهجوم، فإن الحوثيين يستطيعون نقل تكلفة الحرب إلى الأراضي السعودية وإلى قطاع الطاقة والملاحة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه مخاطرة كبيرة؛ لأنها قد تدفع السعودية إلى إعادة النظر جذريًا في سياسة تجنب الحرب المفتوحة.
كيف يمكن أن يكون الرد السعودي؟
لا يبدو أن العودة الفورية إلى نموذج الحرب الجوية الشاملة التي شهدتها السنوات الأولى للنزاع هي الخيار الوحيد أو حتى الأكثر ترجيحًا. لكن الرياض قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة بناء معادلة ردع أكثر صرامة.
ويمكن تصور خمسة مستويات متداخلة للرد السعودي.
أولًا: ضربة جوية محددة لاستعادة الردع
السيناريو الأقرب في المدى القصير هو تنفيذ ضربات جوية دقيقة ومحددة تستهدف القدرات التي تُستخدم في مهاجمة السعودية، وفي مقدمتها منصات الصواريخ والطائرات المسيّرة ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة والسيطرة.
الهدف هنا لن يكون بالضرورة استعادة السيطرة على أراضٍ يمنية، وإنما إقناع الحوثيين بأن تكلفة استهداف السعودية أصبحت مرتفعة.
لكن السؤال الحقيقي هو: أين سيتوقف هذا الرد؟
إذا اقتصرت الهجمات الحوثية على أهداف عسكرية، فقد تحاول الرياض احتواء التصعيد بضربات محدودة. أما إذا تكررت الهجمات على منشآت النفط والطاقة، فإن الحسابات قد تتغير جذريًا.
فاستهداف قاعدة عسكرية شيء، واستهداف منشأة نفطية أو منشأة طاقة شيء آخر تمامًا.
والهجوم الأخير يكتسب أهميته من هذه الزاوية تحديدًا؛ إذ أعلنت السلطات السعودية تعطيل عمليات في بعض منشآت الطاقة عقب الهجمات، بينما أشارت رويترز إلى ارتفاع أسعار النفط بسبب مخاوف السوق من استمرار التصعيد.
ثانيًا: إعادة تعريف «تحالف دعم الشرعية»
إذا عادت الحرب إلى مرحلة التصعيد الواسع، فقد لا يكون المطلوب من السعودية إعادة إنتاج التحالف الذي عرفناه في سنوات الحرب الأولى.
السعودية اليوم لا تحتاج بالضرورة إلى تحالف واسع يضم دولًا كثيرة تنخرط جميعها في العمليات العسكرية.
الأهم هو بناء منظومة قيادة وسيطرة واستخبارات ودفاع جوي وإسناد جوي ولوجستي، بالتوازي مع قوات يمنية قادرة على خوض المعركة البرية.
وهنا تظهر معادلة مختلفة:
بدل أن تبقى السعودية في موقع من يتلقى الصواريخ والطائرات المسيّرة ويحاول اعتراضها، يمكن أن تسعى إلى نقل المعركة إلى مصادر إطلاقها داخل اليمن.
بمعنى آخر، قد تصبح القاعدة الجديدة:
أفضل وسيلة للدفاع عن الحدود السعودية هي إبعاد مصادر التهديد عنها.
وهذا يتطلب قوة يمنية برية تستطيع التقدم على الأرض، وليس مجرد طيران سعودي يقوم بعمليات قصف من الخارج.
ثالثًا: الجنوب لن يبقى هامشًا
هنا تكمن واحدة من أهم النتائج المحتملة للتصعيد.
فإذا تحولت الحرب إلى استنزاف جديد وطويل الأمد، فإن أهمية الجنوب سترتفع بصورة غير مسبوقة، ليس فقط سياسيًا، وإنما عسكريًا ولوجستيًا واقتصاديًا.
حضرموت وشبوة وعدن والساحل الجنوبي ستكتسب أهمية متزايدة باعتبارها مناطق بعيدة نسبيًا عن مركز القوة الحوثية، وتضم منشآت نفط وغاز وموانئ ومطارات وطرقًا استراتيجية، فضلًا عن امتدادها على بحر العرب وخليج عدن.
وستحتاج أي استراتيجية إقليمية لمواجهة الحوثيين إلى:
تأمين حضرموت وشبوة.
حماية منشآت النفط والغاز.
تأمين الطرق التي تربط حضرموت وشبوة ومأرب.
حماية الموانئ والسواحل.
منع تهديد الملاحة في بحر العرب وباب المندب.
توفير عمق لوجستي للقوات المناهضة للحوثيين.
ومن هذه الزاوية، فإن الصراع المتزايد على القوات والموارد والنفوذ في حضرموت لا يمكن فصله تمامًا عن التحولات العسكرية الأكبر في المنطقة.
فالجنوب قد يتحول من ساحة خلفية للحرب إلى عمق استراتيجي لها.
وهذا تحول بالغ الأهمية؛ لأنه سيجعل السيطرة على الموارد والموانئ والطرق والمناطق العسكرية الجنوبية جزءًا من الحسابات الأمنية الإقليمية، وليس مجرد خلافات يمنية داخلية.
رابعًا: الرياض ستظيد الضغط لتوحيد المعسكر المناهض للحوثيين
هنا ربما توجد إحدى أهم النتائج السياسية للتصعيد.
فالسعودية إذا قررت مواجهة الحوثيين عسكريًا من جديد ستجد أمامها مشكلة قديمة لم تُحل: المعسكر المناهض للحوثيين نفسه منقسم سياسيًا وعسكريًا.
هناك الحكومة والقوى العسكرية في مأرب، وقوات الساحل الغربي، والقوى الجنوبية، والقوى الحضرمية، والقوى القبلية، فضلًا عن التباينات الكبيرة داخل كل هذه المكونات.
ولذلك قد تزداد الضغوط السعودية على هذه القوى من أجل تنسيق مواقفها وتوحيد أولوياتها العسكرية.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الرياض ستنجح في حل القضية الجنوبية أو القضية الحضرمية أو بقية القضايا السياسية اليمنية.
الأرجح أن يكون الهدف الأكثر إلحاحًا هو شيء أبسط:
منع الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين من التحول إلى حرب موازية.
وقد يصبح الشعار العملي للمرحلة المقبلة:
اتركوا الخلافات السياسية جانبًا، ووحّدوا البندقية ضد الحوثيين.
لكن هذه المعادلة لن تكون سهلة؛ لأن الأطراف اليمنية المختلفة لا تنظر إلى الحرب من الزاوية نفسها، ولكل طرف حساباته ومطالبه ومخاوفه.
خامسًا: هل تعود القوات السعودية إلى العمل البري؟
لا يبدو أن التدخل البري السعودي المباشر سيكون الخيار الأول.
فخبرة السنوات الماضية أثبتت أن الحرب البرية المباشرة داخل اليمن مكلفة ومعقدة، وأن الجغرافيا اليمنية تسمح بتحويل أي تقدم عسكري إلى حرب استنزاف طويلة.
والأرجح، إذا قررت الرياض التصعيد، أن تكون المعادلة أقرب إلى:
السعودية توفر الغطاء الجوي والاستخباراتي والدعم اللوجستي، والقوات اليمنية تتولى الجزء الأكبر من العمليات البرية.
وهنا تكتسب التحركات العسكرية للقوات الحكومية أهمية خاصة.
فإذا تمكنت القوات المناهضة للحوثيين من تحقيق اختراقات حقيقية في بعض الجبهات، فقد تجد الرياض نفسها أمام فرصة لم تكن متاحة في السنوات الماضية: تحويل الهجوم الحوثي على السعودية من عبء استراتيجي إلى مبرر لإعادة بناء حرب هجومية داخل اليمن.
لكن نجاح هذا السيناريو يتوقف على عامل حاسم: هل تستطيع القوى اليمنية المناهضة للحوثيين تحقيق نتائج عسكرية فعلية، أم أنها ستبقى أسيرة الانقسامات والصراعات الداخلية؟
الأخطر: عندما تصبح الطاقة هدفًا للحرب
هناك خط أحمر آخر قد يغيّر الحسابات السعودية بصورة جذرية.
إن تكرار استهداف منشآت الطاقة السعودية لن يُقرأ باعتباره مجرد عمل عسكري عابر.
السعودية دولة نفطية، واستقرار منشآتها وطرق تصديرها جزء من أمنها الوطني والاقتصادي، كما أن أي اضطراب كبير في صادراتها ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي.
وهنا يصبح الفرق كبيرًا بين مهاجمة موقع عسكري ومهاجمة منشأة طاقة.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة بالفعل حساسية هذا العامل؛ إذ أدت الهجمات الأخيرة إلى اضطراب عمليات في منشآت طاقة سعودية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف من اتساع نطاق الحرب.
لذلك فإن استمرار هذا النوع من الهجمات قد يدفع الرياض إلى الانتقال من سياسة «إدارة التهديد» إلى سياسة إزالة مصادر التهديد.
وهذا يعني أن العمق اليمني قد يصبح هدفًا مباشرًا بصورة أكبر.
والبحر الأحمر هو الحلقة الأخطر
إذا بقي التصعيد محصورًا بين الحوثيين والسعودية، فقد تتمكن الأطراف من احتوائه بدرجة أو بأخرى.
لكن إذا امتد إلى البحر الأحمر وباب المندب، فإن المسألة ستخرج نهائيًا من إطار الحرب اليمنية.
فالمنطقة تعيش أصلًا اضطرابًا كبيرًا في الممرات البحرية. وقد أظهرت بيانات الملاحة الأخيرة تراجع حركة السفن في مضيق هرمز إلى مستويات هي الأدنى منذ أشهر، فيما ازدادت المخاوف بشأن أمن طرق الطاقة والملاحة في المنطقة.
وإذا تزامن التصعيد الحوثي في البحر الأحمر مع المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية في الخليج، فقد تتشكل للمرة الأولى جبهة بحرية إقليمية مترابطة تمتد من مضيق هرمز إلى خليج عمان وبحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر.
عندها لن يكون السؤال:
هل ستعود الحرب اليمنية؟
بل سيكون:
هل دخل الشرق الأوسط كله مرحلة لحرب إقليمية متعددة الجبهات؟
وهنا سيصبح العامل الأمريكي والدولي أكثر حضورًا؛ لأن أمن الملاحة والطاقة لم يعد شأنًا سعوديًا أو يمنيًا فقط.
نقطة التحول
المفارقة أن الحوثيين، إذا كانوا يريدون من خلال توسيع نطاق الهجمات الضغط على السعودية ومنع إعادة تشكيل ميزان القوى داخل اليمن، قد يجدون أنفسهم أمام نتيجة عكسية.
فكلما ارتفعت تكلفة التهديد على الأراضي السعودية والمنشآت النفطية والملاحة، زادت احتمالات انتقال الرياض من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع الهجومي.
وبالمقابل، كلما اتسعت الحرب السعودية ـ الحوثية، ازدادت الحاجة السعودية إلى شركاء يمنيين قادرين على القتال على الأرض، وهو ما سيعيد الجنوب ومأرب والساحل الغربي إلى قلب الحسابات العسكرية.
ومن هنا يمكن فهم التطورات المقبلة باعتبارها صراعًا على إعادة رسم خريطة القوة اليمنية بقدر ما هي مواجهة عسكرية مع الحوثيين.
فالمرحلة المقبلة قد لا تكون نسخة من حرب 2015.
قد تكون أكثر تعقيدًا:
حرب يمنية لها امتدادات إقليمية، وصراع إقليمي له أدوات يمنية، وحرب على الطاقة والملاحة تتقاطع مع صراع النفوذ بين السعودية وإيران والولايات المتحدة.
ولهذا فإن السؤال الأهم اليوم ليس: هل ستعود الحرب؟
الحرب، في جانب منها، عادت بالفعل.
السؤال الحقيقي هو:
هل تبقى حربًا يمنية يمكن احتواؤها، أم تتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب على أي طرف التحكم في مساراتها ونهاياتها؟
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يبدو أن اليمن والأقليم يقفان على عتبة نقطة تحول جديدة؛ نقطة قد تجعل الجنوب والبحر الأحمر وحضرموت وشبوة، وليس فقط صنعاء ومأرب وتعز، أجزاء أساسية من معادلة الحرب المقبلة.



