من 11 سبتمبر إلى إيران.. كيف زرعت الحروب بذور الانقسام في أمريكا؟

أبين ميديا /القاهرة الإخبارية / عبدالله علي عسكر

 

بعد 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر 2001، لا تزال آثارها مستمرة بقوة في السياسة الأمريكية، إذ تحولت لحظة الوحدة الأمريكية عقب الكارثة إلى بداية لمسار طويل من الحروب والشكوك والانقسامات، وصولًا إلى الاستقطاب الحزبي الذي يطبع الحياة السياسية في الولايات المتحدة اليوم.

 

قبل العاصفة

قبل 11 سبتمبر، كانت واشنطن تشهد مشاحناتها السياسية المعتادة، وكانت الانتخابات التي أوصلت الجمهوري جورج دبليو بوش إلى الرئاسة على حساب الديمقراطي آل جور لا تزال مثار جدل، بعدما حسمت المحكمة العليا النتيجة ومنحت بوش أصوات المجمع الانتخابي اللازمة للفوز، بينما ظل كثير من الديمقراطيين غاضبين.

 

كان الكونجرس منقسمًا بالتساوي بين الحزبين، بما ينذر بأزمة سياسية، ثم جاءت الكارثة، عندما اصطدمت طائرة بمركز التجارة العالمي في نيويورك، واعتقد كثيرون في البداية أنها حادث مأساوي، قبل أن تضرب طائرة ثانية البرجين التوأمين، وتسقط ثالثة على مبنى البنتاجون.

 

وعندها اتضحت حقيقة الهجوم، وأن تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن هما من يقفان وراءه، ففي واشنطن، افترض الجميع تقريبًا خلال الدقائق الأولى أن البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول سيكون الهدف التالي، بينما كان الدخان يتصاعد من البنتاجون، وسقطت طائرة ركاب رابعة في حقل بولاية بنسلفانيا، ويبدو أنها لم تصل إلى هدفها في العاصمة، فيما كان بوش خارج المدينة.

 

لحظة الوحدة

أظهرت هجمات 11 سبتمبر في بدايتها قدرة نادرة على توحيد البلاد، إذ وافق الكونجرس بعد ثلاثة أيام، بأغلبية 518 صوتًا مقابل صوت واحد، على تفويض باستخدام القوة ضد أي شخص يُعتبر مسؤولًا عن الهجمات، وحصل الرئيس جورج دبليو بوش حينها على تأييد 82%.

 

وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، فقد رأى نحو ثلاثة أرباع الأمريكيين أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح رغم الهجمات، أو بسبب الاستجابة الموحدة لها، وفي تلك اللحظة، بدت الولايات المتحدة في ذروة قوتها، قبل أن تتراجع الوحدة سريعًا.

 

وأدت تداعيات الهجمات لاحقًا إلى حروب طويلة في العراق وأفغانستان، عجز القادة الأمريكيون عن تحقيق نصر حاسم فيها، وأسهم ذلك في تعميق التشاؤم تجاه المؤسسة السياسية ومؤسساتها، ودفع إلى عودة نزعة انعزالية داخل الحزبين، بعدما تحولت “الحرب على الإرهاب” إلى مصدر انقسام.

 

فوضى وخوف

وأثارت أساليب الاستجواب القاسية التي استخدمها مسؤولون أمريكيون في الحرب السرية على الإرهاب خلافًا واسعًا، فيما زادت الإجراءات الأمنية المشددة في الحياة اليومية من مشاعر القلق، وأدت صدمة الهجمات كذلك إلى تنامي الخوف من الأجانب، وهو ما غذّى المشاعر المعادية للمهاجرين.

 

ونُقل بوش على عجل إلى طائرته التي حلقت إلى وجهة مجهولة، بينما اقتيد نائب الرئيس ديك تشيني إلى ملجأ تحت الأرض في البيت الأبيض، وبدت الشوارع مكتظة بالناس الذين فروا من وسط المدينة بحثًا عن مكان أكثر أمنًا، والهروب للريف مع تحليق الطائرات المقاتلة فوق العاصمة.

 

تراجعت الخلافات السياسية أمام الخوف، واتجه الأمريكيون إلى التكاتف وخوض حرب جديدة على الإرهاب، في مشهد شبّهه مراقبون بالتوحد الذي رافق الحرب العالمية الثانية. وفي مساء 11 سبتمبر، تجمع عشرات من أعضاء الكونجرس من الحزبين على درجات الكابيتول ورددوا نشيد “حفظ الله أمريكا”.

 

وبعد 11 يومًا، استحدث البيت الأبيض منصب مدير مكتب الأمن الداخلي لتوحيد أجهزة الاستخبارات والأمن القومي تحت مظلة واحدة وتقليل احتمالات تعرض البلاد لهجوم مفاجئ، كما شكل المشرعون من الحزبين لجنة مشتركة للتحقيق في الهجمات، وانضم شباب أمريكيون إلى الجيش للمشاركة في الحرب على الإرهاب.

 

 

بداية الانقسام

امتدت موجة التضامن إلى الخارج، إذ لجأ حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي، للمرة الأولى والوحيدة في تاريخ الحلف، إلى المادة الخامسة من ميثاقه، التي تعتبر الهجوم على دولة عضوًا هجومًا على جميع الأعضاء، كما أهدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الولايات المتحدة تمثالًا تذكاريًا لمكافحة الإرهاب.

 

لكن الوحدة بدأت تتآكل تدريجيًا، وتحولت محاولة تحويل مكتب الأمن الداخلي في البيت الأبيض إلى وكالة وزارية ضخمة تنسق العمل بين 22 وكالة وإدارة إلى معركة حزبية، بعدما أراد الديمقراطيون تمكين موظفي الوكالة من تشكيل نقابات، بينما رفض الجمهوريون ذلك.

 

واستخدم مستشارو الحملات الانتخابية الخلاف في إعلانات اتهمت الديمقراطيين بمعارضة الأمن القومي، وفي الوقت نفسه، أصبحت أساليب الاستجواب القاسية التي أجازتها إدارة بوش بحق المشتبه بهم في قضايا الإرهاب نقطة خلاف أخرى، إذ اعتبرها الجمهوريون ضرورية، بينما رأى الديمقراطيون أنها مفرطة وتنتهك المعايير الأمريكية.

 

ثم انتقل الخلاف إلى الحرب، فبعد التوغل واسع التأييد في أفغانستان لملاحقة الخلايا الإرهابية، اقترح بوش مهاجمة العراق وتدمير أسلحة الدمار الشامل التي قيل إن بغداد تمتلكها، واعترض ديمقراطيون، متهمين الجمهوريين باستغلال التهديد الإرهابي ذريعة لمحاربة صدام حسين، وصوت 126 ديمقراطيًا ضد تفويض استخدام القوة.

 

إرهاق الحروب

تحولت الحرب على الإرهاب بذلك إلى قضية حزبية، وازداد الانقسام بعد إعلان بوش النصر في العراق بعد ستة أسابيع فقط من بدء القتال، قبل اعترافه لاحقًا بخطأ مزاعم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، واستمر القتال هناك لنحو عقدين، فيما تعاقب الرؤساء على محاولة إنهاء الحرب في أفغانستان.

 

لم يتمكن باراك أوباما من إيجاد استراتيجية خروج مناسبة من أفغانستان، وكذلك دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، وفي النهاية أنهى جو بايدن المغامرة الأفغانية، واعتُبر الانسحاب على نطاق واسع محرجًا.

 

وتظهر استطلاعات مؤسسة جالوب أن الثقة في الرئاسة والكونجرس بدأت بالتراجع تدريجيًا خلال السنوات التي أعقبت 11 سبتمبر واستمر الانخفاض حتى اليوم، ويثق 27% فقط بالرئاسة بدرجة كبيرة أو لا بأس بها، مقابل 55% عام 2003، بينما لا يثق بالكونجرس سوى 9%، مقارنة بـ29%.

 

الحرب على إيران

امتد تراجع الثقة إلى الجيش، الذي ظل عادة بمنأى عن التيارات السياسية، إذ تركت الحرب على الإرهاب أثرًا داخل الطبقة السياسية، التي تضم عددًا كبيرًا من قدامى المحاربين في حربي أفغانستان والعراق، ومع اتساع الصراع ضد الإرهاب إلى جبهات جديدة في إيران وأفريقيا، أصبح هؤلاء أكثر تشككًا في خوض مغامرات عسكرية دولية جديدة.

 

وخدم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في قوات مشاة البحرية بالعراق، وكان من بين كبار مساعدي إدارة ترامب الأقل اقتناعًا بجدوى الصراع الحالي مع إيران، كما قاد النائب الديمقراطي عن نيويورك بات رايان، الذي خاض جولتين قتاليتين في العراق، مجموعة من عشرة نواب مخضرمين عارضوا الحملة الإيرانية.

 

وقال رايان إنه بعد إنفاق تريليونات الدولارات وسقوط عدد لا يحصى من الضحايا في حروب الشرق الأوسط السابقة، يرفض السماح للولايات المتحدة بتكرار الأخطاء نفسها، إذ يعكس موقفه أثرًا مستمرًا لتجارب الحروب التي أعقبت 11 سبتمبر داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى