محسن مكيش.. حين يسير الرفاق معاً حتى بعد الغياب

كتب د. رقيب العسيري
الأستاذ محسن مكيش.. رفيق الدرب وذاكرة لا تغيب
هناك أشخاص لا تُقاس قيمتهم بالمناصب التي شغلوها، ولا بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما تركوه من أثر في حياة من حولهم، وبما حملوه من مواقف وذكريات تظل حاضرة مهما امتد الزمن.
ومن هؤلاء الأستاذ محسن مكيش، الذي ارتبط اسمه بالحركة الوطنية منذ سنوات شبابه، وكانت له مسيرة ومواقف نضالية في مرحلة مهمة من تاريخ الوطن.
بعد أن أنهيت الخدمة العسكرية الإلزامية عقب الثانوية العامة، كان للأستاذ محسن مكيش فضل في مساعدتي على الالتحاق بالعمل في وكالة أنباء عدن عام 1985م، حيث كان يشغل حينها منصب رئيس أحد الأقسام في الوكالة. عملت هناك فترة من الزمن، ثم غادرت، لكن تلك المرحلة بقيت حاضرة في الذاكرة، وبقي معها تقديري وامتناني للأستاذ محسن.
وتذكر رواية الأهل أنني وُلدت في العام نفسه الذي غادر فيه الأستاذ محسن، برفقة رفيقي عمره أحمد الكازمي وسالم عمر، إلى اليمن – وهي التسمية التي كان أهلنا يطلقونها آنذاك على شمال الوطن – للمشاركة في الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر.
كان الثلاثة لا يكادون يفترقون؛ فلا يُذكر أحدهم إلا ذُكر الآخران، ولا يُذكر اثنان منهم إلا حضر الثالث في الذاكرة. فقد جمعتهم علاقة بدأت منذ الصغر، وتوطدت في سنوات الشباب، واستمرت حتى غدت أشبه برابطة روحية عميقة.
رحل سالم عمر، ثم رحل أحمد الكازمي، وبقي الأستاذ محسن يحمل ذكراهما معه.
ولعل الإنسان قد يشعر باليُتم أكثر من مرة في حياته؛ مرة حين يفقد والديه، ومرة أخرى حين يفقد أصدقاء العمر ورفاق الطريق الذين شاركوه سنوات حياته ومشواره الطويل.
وفي سبتمبر 2015م، وقبل عيد الأضحى المبارك، جمعتني الصدفة بالأستاذ محسن مكيش، برفقة الأستاذ أحمد عطاش، في أحد المقاهي القريبة من منزله في الشارع الرئيسي بالمعلا.
تبادلنا الحديث، وسألنا عن الأحوال والأخبار والأهل، واستعدنا شيئًا من الذكريات التي لا تنتهي.
وعندما همَّ الأستاذ محسن بالمغادرة، ومشى بضع خطوات، شعرت للحظة بأنه لم يكن وحيدًا.
خيّل إليّ أن أحمد الكازمي وسالم عمر كانا يسيران معه، يرافقانه كما رافقاه في سنوات الشباب، ويتجاذبان معه أطراف الحديث.
ربما غابا عن العين، لكنهما لم يغادرا القلب.
فبعض الرفاق لا ينهي رحيلهم حضورهم، ولا يطوي الزمن ذكراهم؛ بل يظلون يعيشون في أعماق من أحبهم، يرافقونهم في الطريق، ويظهرون في تفاصيل الذاكرة كلما عادت الأيام إلى الوراء.
الأستاذ محسن مكيش.. أعلم أنك لست وحيدًا، فرفيقا دربك ما زالا يسيران معك في الذاكرة والوجدان.
ونحن نفتخر بك، ونعتز بتاريخك، ونحترم جيلًا حمل همَّ الوطن، وعاش سنواته في زمن كانت فيه المواقف تُكتب بالتضحيات والوفاء.
رحم الله أحمد الكازمي وسالم عمر، وأطال الله في عمر الأستاذ محسن مكيش، وحفظه بالصحة والعافية.
المصدر والتوثيق الأصلي:
الأستاذ رائد صالح أحمد النينوه، في منشوره المؤرخ 24 مارس 2016م، والذي تناول فيه سيرة الأستاذ محسن مكيش وذكرياته مع رفيقي دربه أحمد الكازمي وسالم عمر.
إعادة الصياغة والإعداد والتوثيق:
د. رقيب أحمد محسن عسيري



