20 أكتوبر ذكرى مقتل الزعيم الليبي معمر القذافي

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي

 

معمر القذافي .. من خيمة سرت إلى خيمة الحكم اثنان وأربعون عاما من الصحراء إلى العالمية …

 

في العشرين من أكتوبر عام ألفين وأحد عشر في الساعة الثامنة صباحا في مدينة سرت Sirte التي ولد قربها انتهت حياة الرجل الذي حكم ليبيا اثنين وأربعين عاما من الأول من سبتمبر عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين إلى العشرين من أكتوبر عام ألفين وأحد عشر وهو أطول حكم في تاريخ ليبيا الحديث وأطول حكم عربي في القرن العشرين بعد الملك الحسن الثاني.

 

ولد معمر محمد أبو منيار القذافي Muammar Mohammed Abu Minyar al Gaddafi في السابع من يونيو عام ألف وتسعمائة واثنين وأربعين في خيمة من الشعر في منطقة جهنم قرب وادي جارف جنوب سرت في الصحراء الليبية والده بدوي يرعى الغنم اسمه محمد أبو منيار ووالدته عائشة بن نيران وكانت أسرته من قبيلة القذاذفة وهي قبيلة بدوية صغيرة تعيش بين سرت وسبها ولم يدخل المدرسة إلا في سن التاسعة وكان يمشي كل يوم ثلاثة كيلومترات حافيا إلى مدرسة سرت الابتدائية وكان ينام في المسجد لأن أهله فقراء لا يملكون بيتا في المدينة.

 

ثم انتقل إلى سبها Sebha في الجنوب للدراسة الإعدادية وهناك بدأ اهتمامه السياسي متأثرا بجمال عبد الناصر وخطبه عن القومية العربية وكان يجمع الطلبة في ساحة المدرسة ويخطب فيهم عن تحرير فلسطين وطرد القواعد الأمريكية والإنجليزية من ليبيا فطرده مدير المدرسة عام ألف وتسعمائة وواحد وستين ثم ذهب إلى مصراتة Misrata وأكمل الثانوية ثم دخل الكلية العسكرية الملكية في بنغازي Benghazi Military Academy في عام ألف وتسعمائة وثلاثة وستين وتخرج برتبة ملازم ثان عام ألف وتسعمائة وخمسة وستين وأرسل إلى بريطانيا في دورة في كلية ساندهيرست Sandhurst وفي بيكينسهيلد Beaconsfield للتدريب على المدرعات وكان عمره وقتها ثلاثة وعشرون سنة.

 

وعاد إلى ليبيا وعمره سبعة وعشرون سنة برتبة نقيب وقام بحركته التي سماها ثورة الفاتح من سبتمبر في الأول من سبتمبر عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين وكان الملك إدريس السنوسي Idris Senussi ملك ليبيا موجودا في تركيا للعلاج وكان ولي العهد الحسن الرضا في البيضاء فحاصر القذافي قصر البيضاء بإحدى عشرة دبابة وأذاع البيان الأول في الإذاعة وقال إن القوات المسلحة قامت بتطهير البلاد من الرجعية والفساد وأعلن الجمهورية العربية الليبية وكان معه اثنا عشر ضابطا سماهم الضباط الوحدويون الأحرار وأبرزهم عبد السلام جلود Abdessalam Jalloud والخروبي والمقريف.

 

ومنذ اليوم الأول اتخذ قرارين غيرا ليبيا إغلاق القواعد الأجنبية وطرد الجاليات الأجنبية ففي الثامن والعشرين من مارس عام ألف وتسعمائة وسبعين أجلى قاعدة هويلس الأمريكية Wheelus Air Base في طرابلس التي كانت أكبر قاعدة أمريكية خارج أمريكا وفي الحادي عشر من يونيو عام ألف وتسعمائة وسبعين أجلى قاعدة العدم البريطانية El Adem في طبرق Tobruk وفي السابع من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وسبعين طرد عشرين ألف إيطالي كانوا يملكون معظم الأراضي الزراعية في طرابلس منذ الاحتلال الإيطالي عام ألف وتسعمائة وأحد عشر وصادر أراضيهم وسمى اليوم يوم الانتقام.

 

أما إنجازاته للوطن والمواطن الليبي من الناحية الاقتصادية فكانت مبنية على النفط فعندما جاء إلى الحكم كانت ليبيا تنتج ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف برميل يوميا وكانت حصة ليبيا من كل برميل ثمانين سنتا فقط بسبب اتفاقيات الملك إدريس مع الشركات الأمريكية فأجبر القذافي شركات النفط في عام ألف وتسعمائة وسبعين على رفع حصة ليبيا إلى دولارين ونصف ثم إلى خمسة دولارات ثم أمم النفط عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين وسماه التأميم وأسس المؤسسة الوطنية للنفط National Oil Corporation وأصبحت كل عائدات النفط للدولة وبلغت في ذروتها عام ألفين وثمانية مائة وثمانين مليار دولار سنويا.

 

وبنى من هذه الأموال بنية تحتية لم تكن موجودة ففي عهد الملك كان في ليبيا طريق معبد واحد من طرابلس إلى بنغازي طوله ألف كيلومتر ولا توجد جامعة واحدة فبنى القذافي في عهده طريقا ساحليا طوله ألف وثمانمائة كيلومتر وطريقا صحراويا من سبها إلى طرابلس طوله سبعمائة كيلومتر وبنى مطار طرابلس العالمي ومطار بنينة في بنغازي ومطار سبها وبنى أكثر من خمسمائة ألف وحدة سكنية وزعها مجانا بنظام الانتفاع وسماه البيت لساكنه.

 

وفي التعليم كان في ليبيا عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين ثلاثة آلاف طالب جامعي فقط وخمسمائة مدرسة ففي عام ألفين وعشرة أصبح في ليبيا مليون وسبعمائة ألف طالب وجامعتان كانتا هما الجامعة الليبية في بنغازي والجامعة الليبية في طرابلس أصبحتا ثلاث عشرة جامعة منها جامعة قاريونس وجامعة الفاتح وجامعة السابع من أبريل وجامعة سبها وجامعة عمر المختار وأصبحت نسبة الأمية التي كانت تسعين في المائة عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين أقل من عشرة في المائة عام ألفين وعشرة حسب اليونسكو UNESCO وأصبحت ليبيا أعلى دولة عربية في مؤشر التنمية البشرية Human Development Index عام ألفين وعشرة قبل الإمارات وقطر.

 

وفي الصحة بنى مستشفى الخضراء ومستشفى شارع الزاوية في طرابلس ومستشفى الجمهورية في بنغازي ومركز طبرق الطبي وجعل العلاج مجانا لكل الليبيين وجعل علاج الليبيين في الخارج على نفقة الدولة في تونس ومصر وألمانيا وبريطانيا وكان المواطن الليبي يدفع دينارا واحدا فقط رسوما رمزية للمستشفى ويأخذ كل الأدوية مجانا.

 

وأكبر مشروع قام به هو النهر الصناعي العظيم Great Man Made River الذي بدأه في الثالث من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين وافتتح مرحلته الأولى في الثامن والعشرين من أغسطس عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين وهو أكبر مشروع نقل مياه في العالم كله ينقل ستة ملايين متر مكعب يوميا من المياه الجوفية من أحواض الكفرة وتازربو في الصحراء الليبية عبر أربعة آلاف كيلومتر من الأنابيب قطر كل أنبوب أربعة أمتار إلى الساحل إلى طرابلس وبنغازي وسرت وتكلفته ثلاثون مليار دولار دفعها من النفط بدون ديون خارجية ووصفته اليونسكو بأنه عجيبة هندسية من عجائب الدنيا الثامنة.

 

وفي المجال الاجتماعي أصدر القانون رقم ثمانية لسنة ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين الذي جعل المرتبات تتضاعف ثلاث مرات وجعل الحد الأدنى للأجور مائتي دينار ليبي وكان الدولار يساوي دينارا وربعا فقط وكان يعطي لكل خريج جامعي قطعة أرض مائتي متر مربع وقرضا بدون فوائد عشرين ألف دينار لبناء بيت وكان يعطي لكل مواطن يتزوج شقة مجانا وقرض زواج عشرة آلاف دينار بدون فوائد وكان يدعم السلع الأساسية فكان سعر رغيف الخبز قرشين ونصف وسعر لتر البنزين خمسة عشر قرشا وسعر أسطوانة الغاز دينارين وسعر الكهرباء مجانا للسكن والماء مجانا والتعليم مجانا والعلاج مجانا.

 

وفي السياسة الخارجية كان القذافي يرى نفسه زعيم أمة عربية وزعيم أفريقي فحاول الوحدة مع مصر عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين مع أنور السادات ومع تونس عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين مع الحبيب بورقيبة ومع سوريا عام ألف وتسعمائة وثمانين مع حافظ الأسد ومع المغرب والجزائر في اتحاد المغرب العربي عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين وفشلت كلها ولكنه نجح في أفريقيا فدعم حركات التحرر في جنوب أفريقيا ضد الأبارتهايد Apartheid ودعم نيلسون مانديلا Nelson Mandela بمائة مليون دولار ودعم موغابي Mugabe في زيمبابوي ودعم سانكارا Sankara في بوركينا فاسو وأسس الاتحاد الأفريقي African Union عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين في سرت بدلا من منظمة الوحدة الأفريقية وكان يمول ميزانية الاتحاد الأفريقي بنسبة ستين في المائة وكان يسمى ملك ملوك أفريقيا King of Kings of Africa

 

وأما كتابه الشهير الكتاب الأخضر Green Book الذي ألفه عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين وترجم إلى ست وخمسين لغة ووزع منه ستة وثلاثون مليون نسخة فكان يقسمه إلى ثلاثة فصول السلطة والاقتصاد والاجتماع ويقول فيه إن البرلمان تمثيل مزيف وإن الحزبية خيانة وإن السلطة للشعب عبر المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية وإن البيت لساكنه والسيارة لمن يقودها والأرض لمن يزرعها وكان يطبقه عبر نظام سماه جماهيرية من كلمة جماهير.

 

ولكن تاريخه لم يكن بدون صراع فمن عام ألف وتسعمائة وسبعين إلى عام ألفين وثلاثة دخل في مواجهة مع أمريكا وبريطانيا بسبب دعمه لحركات مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي Irish Republican Army ومنظمة التحرير الفلسطينية وقضية لوكربي Lockerbie عام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين عندما اتهمت ليبيا بإسقاط طائرة بان آم Pan Am Flight 103 فوق بلدة لوكربي في اسكتلندا ومات مائتان وسبعون شخصا ففرض مجلس الأمن Sanctions الحصار الجوي والاقتصادي على ليبيا من عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين إلى عام ألفين وثلاثة فخسرت ليبيا ثلاثين مليار دولار ثم سلم القذافي المتهمين للمحاكمة في هولندا ودفع تعويضات مليارين وسبعمائة مليون دولار ورفع الحصار.

 

ثم في السابع عشر من فبراير عام ألفين وأحد عشر اندلعت انتفاضة في بنغازي ضد حكمه بعد مقتل شاب في سجن أبو سليم Abu Salim وتحولت إلى حرب أهلية ثم تدخل حلف الناتو NATO بقرار من مجلس الأمن رقم ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين بقصف قوات القذافي من التاسع عشر من مارس إلى العشرين من أكتوبر عام ألفين وأحد عشر أي سبعة أشهر من القصف قتل فيها ثلاثون ألف ليبي حسب الأمم المتحدة.

 

وفي العشرين من أكتوبر عام ألفين وأحد عشر حاول القذافي الهروب من سرت التي كانت آخر معقل له في قافلة من خمسين سيارة تويوتا Toyota مصفحة ومعه ابنه المعتصم ورئيس مخابراته عبد الله السنوسي فقصفت طائرة فرنسية ميراج Mirage فرنسية وطائرة بريداتور Predator أمريكية القافلة على طريق وادي جارف فاحترقت السيارات فهرب القذافي واختبأ ومعه مسدس ذهبي منقوش عليه خريطة ليبيا ومصحف صغير فعثر عليه مقاتلون من مصراتة عمره ثمانية عشر وتسعة عشر سنة وأخرجوه وهو ينزف ويقول حرام عليكم ألا تعرفون الحرمات أنا جدكم ثم نقل إلى سيارة إسعاف ومات في الطريق برصاصة في الرأس والبطن وكان عمره تسعة وستون سنة.

 

وبعد مقتله نقل إلى مصراتة ووضع في ثلاجة خضار في سوق مصراتة لمدة أربعة أيام يشاهده الناس ثم دفن في مكان سري في الصحراء الليبية لم يعلن عنه حتى اليوم خوفا من أن يصبح قبره مزاراِ.

 

ولهذا فإن معمر القذافي يبقى شخصية مثيرة للجدل في تاريخ ليبيا فمن ناحية هو الذي بنى الدولة الليبية الحديثة من لا شيء وجعل ليبيا من أغنى الدول العربية بلا ديون خارجية ولا صندوق نقد دولي IMF وجعل النفط ليبيا خالصا وبنى النهر الصناعي ومئات الآلاف من البيوت وجعل التعليم والعلاج مجانا ومن ناحية أخرى هو الذي حكم وحده اثنين وأربعين عاما بلا دستور ولا انتخابات ولا أحزاب ولا صحافة حرة ومنع التعددية وعلق دستور الملكية ولم يضع دستورا جديدا حتى سقوطه.

 

ويقول الليبيون اليوم بعد أربعة عشر عاما من مقتله إنهم يذكرون عصره بأمرين متناقضين بالأمن الذي كان فيه الليبي ينام وباب بيته مفتوح وبالرخص الذي كان فيه البنزين أرخص من الماء وبالسيادة التي كان فيها الليبي يدخل أربعين دولة بدون تأشيرة وبين الفوضى التي جاءت بعده حيث انقسمت ليبيا إلى حكومتين في طرابلس وطبرق ومئات الميليشيات.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى