الشحر … مدينةٌ تسكن الذاكرة

 

أنور الحوثري .

ثمة لحظات نحتاج فيها إلى كسر إيقاع روتين الحاضر، لا هرباً من التزامات الأهل والبيت والأقارب، بل استعادةً لشيء من ذواتنا التي تستهلكها رتابة الأيام. وحين تمنحنا استراحة العصر فسحةً عابرة، نمضي أحيانًا نحو أطلال الأمكنة التي شهدت ضحكاتنا الأولى، وعشنا بين جدرانها مع أناس غابوا عنا بالموت أو فرّقت بيننا وبينهم دروب الحياة وبلدان الاغتراب.
ولعلني، كلما باغتني الحنين، وجدتني أعود إلى الشحر؛ مدينتي التي لم تعد مجرد مكان في الجغرافيا، بل صارت جزءاً من تكويني، ووشيجةً خفيةً تلتصق بخافقي مهما ابتعدت عنها المسافات. أجدني أمتطي أي مركوب عابر إليها، وكأن في داخلي موعدًا قديماً لا يقبل التأجيل.
وعند كل غروب، حين تتوارى الشمس خلف الأفق، تستيقظ في ذاكرتي نكهة الشحر الحميمة، وتحديداً الوجبات الخفيفة غير الأساسية مثل الدجر والشوربة بالهرابيش التي كان يتقن إعدادها عبود باطحان في حافة بلحق حين اشتريها وآتي بها الى حجوة الطين، ببيت جدي حسن باشعيب، المجاور لبيت نافخ الناي الشهير، البصير حسن سواد. في ذلك البيت عشت سنوات الصبا، وفي أركانه بقيت أشياء لا تستطيع الأيام محوها، فبعض البيوت لا تسكنها أجسادنا فحسب، بل تسكنها أعمارنا التي مضت، وتظل أبوابها مفتوحة في أرواحنا وإن غادرناها منذ عقود.
ثم تمضي بي الذاكرة إلى ضاحية المحط، وإلى بيت الفقيد سالم علي مهيدي، صديق والدي سعيد عبدالرب؛ رحم الله الاثنين، وجعل ذكراهما عطرةً لا تنطفئ.
وفي المحط كان فريق النصر الرياضي الرافد الفعلي لنادي شباب الجنوب في سنواته الأخيرة ومن خلال سالم مهيدي تعرفت على اللاعبين سعيد بريمة واحمد كليواش واحمد مديحج وعمر كردة ومحمود الصومالي وعيال بن درب وسعيد عينين وآخرين ثم صار لنا في المحط أصدقاء اعزاء من أهل الفن والمعرفة بالأصول من أمثال سالم رزق الجابري وعيال كرامة الخزمة وغيرهم وأتذكر من دفيقة عمنا الشاعر الملحن الراحل محمد محفوظ الكالف والهداف هادي زيدان، الذي تشرفت في مساءات كثيرة بأن أرافقه على دراجته النارية بتكليف من ابي فيوصلني إلى البيت، وكأن تلك الرحلات القصيرة كانت تختصر معنى الألفة التي عرفناها في زمنٍ كانت فيه المودة فعلاً يوميًا، لا عبارةً تُقال في المناسبات.
وفي حافتنا القديمة بجوار بيوت بن داؤود و عوض عسكر وعيال احمد حمود ودار العماري ودار باشراحيل وباجرش ومهدمي وبيت الرباكي و كليواش وغيرهم إلى حدود صندقة أغنام مقنّب وبيت العم عمر عبيد العماري وأبنائه الكرام الله يرحم منهم صديقي العزيز صالح عمر والى ماوراء بيوت حبليل والعم المرحوم احمد حسن باحكم صديق والدي الله يرحم الجميع.
ما أعذب تلك الأيام، وما أعمق ما تركته فينا من أثر ! لم تكن ثروتنا الحقيقية يومها فيما نملك، بل فيما نتقاسمه من بساطة العيش، وصدق المشاعر، وكرم النفوس. وكان أهل الشحر، بما عُرفوا به من حفاوة ونبل، يمنحون الغريب قبل القريب شعوراً بأن للمدينة قلباً يتسع للجميع، وأن الكرم لا يُقاس بما يُقدَّم على الموائد، بل بما يُترك في النفوس من محبة وامتنان. فحين ترسلني والدتي الى بيت الجيران بقطعة خبز أو اناء لوجبة بسيطة لا ارجع الى بيتنا الا وفي يدي قطعة من شلن أو نصف الشلن تستخرجه امرأة الجيران كبيرة السن من طرف طرحة راسها المعصوب وهي إحدى عادات النساء كبيرات السن في زمن الشحر القديم.
وكنت ساعي بريد لوالدي العزيز انقل قصاصات مواعيده إلى أصدقائه من آل باشراحيل وآل حميد والعم عمر محمد بن الشيخ ابوبكر وبيت العماري والشيخ سالم حبليل وآخرين.
وفي رقّة العيدروس أيام الصبا كنت اتسلى وقت العصر بوجبة الكراش من طست جروان و الحومر والبيدان و الدوم من مختلف الباعة الذين يجلسون على مقربة من مقهاية مردوف.
ومع مرور الزمن، أدركت أن الحنين لكل هذه الأماكن ليس رغبةً في استرداد الماضي كما كان، فذلك أمر يستحيل؛ وإنما هو محاولة لاستعادة المعاني التي جعلت للحياة مذاقها الأول. نحن لا نشتاق إلى الأمكنة وحدها، بل إلى أنفسنا حين كانت فيها، وإلى الوجوه التي منحت أيامنا دفئها، وإلى تفاصيل صغيرة لم نكن نعرف أنها ستصبح يومًا أثمن ما نملك.
لقد تغيّر الكثير، وغاب أناس كانوا جزءًا من المشهد، وتفرّق آخرون في المنافي والبلدان، لكن الشحر ما زالت تقيم في داخلي، بكل أسواقها وحصونها ومقاهيها وبيوتها وأصواتها القديمة. وكلما عدت إليها، شعرت بأنني لا أزور مدينةً فحسب، بل أصافح عمراً مضى، وأصغي إلى أصواتٍ لا يسمعها سواي.
الشحر ليست ماضياً انتهى، بل حياةٌ ما زالت تتنفّس في داخلي؛ وكلما أثقلتني رتابة الحاضر، ذهبتُ إليها لأستعيد شيئًا من روحي، وأعود محمّلًا بطمأنينة الذين غابوا، وبمحبة الذين بقوا، وباليقين أن بعض المدن لا نغادرها حقًا، لأنها ببساطة تسكننا.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى