أي أثر نتركه؟
كتب ـ أ.د مهدي دبان
الناس ثلاثة أنواع، لكل منهم فلسفته في الحياة، وأثره الذي يتركه على هذه الأرض. أولهم إنسان يعيش في هذه الدنيا متفرجا، لا دخل له في تطوير المجتمعات، عائشا لنفسه وملذاته الآنية اليومية، متقوقعا داخل عالمه الصغير، لا يرى في الحياة إلا أياما يجب أن يعيشها كيفما اتفق حتى تمر، وكأن العمر مجرد ساعات تتعاقب، لا رسالة تُؤدى ولا أثر يُخلد…. لا يشارك في بناء، ولا يخرب ما بُني؛ يمضي في الحياة كما يمضي الظل، لا يترك خلفه جرحا ولا يزرع أملا، وجوده وعدمه سيّان في ميزان التغيير.
أما الصنف الثاني، فهو الإنسان الإيجابي الذي يرى في الحياة الدنيا استخلافا لله في الأرض، وأمانة ومسؤولية ورسالة تستحق أن يُبذل من أجلها الجهد والعمر.. إنه الإنسان الذي يسعى إلى أن يجعل سبل العيش فيها أفضل، يفكر ويفكر، ويعمل ويعمل، ويحمل هموم الناس في قلبه قبل أن يحمل أحلامه في عقله…. قد يتعب ليهنأ الآخرون، ويضحي من أجل قضية يؤمن بها، ويبني الحضارات، ويطور التقنيات، ويضع الاستراتيجيات التي تحول الأفكار إلى واقع، والأحلام إلى إنجازات. لا يكتفي بما يفعله في الحاضر، ولا ينشغل بتلافي أخطاء الماضي فحسب، بل يمد بصره إلى المستقبل، ويفكر في أجيال لم تولد بعد، مؤمنا بأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان ليس ما يجمعه لنفسه، بل ما يقدمه للبشرية من خير وعلم ومعرفة وأمل…. هؤلاء هم الذين يجعلون للحياة معنى، وللتعب قيمة، وللعمر أثرا لا تمحوه السنون.
وهنا يأتي الصنف الثالث، النقيض لما سبق، ذلك الذي لا يكتفي بالوقوف بعيدا عن البناء، بل يجعل من الهدم غايته، ومن الخراب مشروعه، ومن الألم الذي يصنعه للآخرين انتصارا زائفا يتباهى به …. أناس لا يكلون ولا يملو ن من تدمير كل ما بُني بعرق المخلصين، ولا يهمهم إلا أن يجعلوا الأرض خرابا، ويزهقون الأرواح، ويطفئون شموع الأمل، ويحولون الحياة إلى ليل مظلم في عيون البشر…… يهدمون في لحظات ما احتاج بناؤه إلى سنوات، ويزرعون الكراهية حيث زُرعت المحبة، والدمار حيث شُيّدت الحضارات، والخوف حيث كان الناس يحلمون بغد أجمل…. وما أشد قسوة أن يقضي الإنسان عمره في محاربة الخير بدلا من صناعته، وفي إطفاء النور بدلًا من إشعاله!
سيبقى السؤال الذي ينبغي لكل واحد منا أن يطرحه على نفسه: أيّ أثر نريد أن نتركه خلفنا؟







