رأفة بالناس يا تجار!

بقلم: صالح الفضلي

 

يا تجارنا الكرام، رأفةً بالناس! فليس كل حديث عن الركود التجاري دليلًا على الخسارة، وليس كل إعلان عن تخفيضات بنسبة 50% شهادةً على أنكم تتنازلون عن أرباحكم من أجل عيون الزبائن.

واليوم في عدن وما حولها، وفي مختلف المدن والقرى الواقعة تحت سلطة الشرعية، يتحدث التجار عن ركود الأسواق، ويتمسكون بأسعار وُضعت حين كان الدولار يلامس 1600 ريال. وبينما يشتكي التاجر من تراجع المبيعات، يشتكي المواطن من شيء أشد قسوة: لم يعد راتبه يكفيه لشراء احتياجات أسرته الأساسية.

المفارقة أن بعض المحلات تعلن عن تخفيضات تصل إلى النصف، خصوصًا قبيل تحديث المخزون القديم واستقبال بضائع رمضان والعيدين. وهنا يحق للمستهلك أن يسأل: إذا كنتم تخفضون الأسعار بنسبة 50%، فكم كانت أرباحكم قبل التخفيض؟ وهل كانت الأسعار الأصلية تعكس التكلفة الفعلية للبضائع، أم أنها تضمنت هوامش ربح تسمح لكم بهذا الهبوط الكبير؟

نعرف أن التخفيضات قد تكون وسيلة مشروعة لتصريف البضائع القديمة، لكننا نعرف أيضًا أن إعلان التخفيض لا يعني بالضرورة البيع بخسارة.

يا تجار، انظروا قليلًا إلى الجانب الآخر من واجهات محلاتكم!

هناك مواطن عادي لا يتلقى إعاشة، ولا بدل نزوح، ولا حوالة شهرية من ابن أو قريب مغترب. هذا المواطن الذي لا يظهر في قوائم المساعدات، ولا يملك مصدر دخل إضافيًا، يحاول أن يدبّر وجبات أسرته الأساسية، ويحسب ثمن الخبز والأرز والزيت قبل أن يمد يده إلى جيبه.

وهناك أسر في عدن ومحيطها باتت تعاني في سداد فواتير الماء والكهرباء بانتظام، وتواجه خيارات قاسية بين دفع الفواتير وشراء الطعام. بالنسبة إلى هذه الأسر، ليست التخفيضات الموسمية مناسبة تسويقية، بل ربما تكون الفرصة الوحيدة لشراء قطعة ملابس أو توفير بعض مستلزمات المنزل.

والأكثر إثارة للتساؤل أن عددًا من تجار الأقمشة والمواد الغذائية اتجهوا إلى سوق منظومات الطاقة الشمسية، بعدما أصبحت هذه التجارة مصدر دخل مغريًا في ظل انقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليفها. ولا غرابة في أن يبحث التاجر عن السلعة الأكثر رواجًا، لكن توسع هذا النشاط، ودخول مستثمرين جدد إليه، يفتحان بابًا للسؤال عن حجم الأرباح التي يحققها سوق تحوّلت فيه الحاجة إلى الكهرباء إلى فرصة تجارية واسعة، بل وعن مدى شفافية الأسعار والمنافسة فيه.

ومع اتساع هذا السوق، تثار كذلك تساؤلات حول دخول شخصيات نافذة، من سياسيين ووزراء، ووكلاء ووجاهات تستلم شهريا المعلوم من الخارج او من خزينة الدولة وتحوله الى راسمال تجاري ، بصورة مباشرة أو عبر شركاء ومصالح تجارية. ؛ والمطلوب معرفة من يستثمر، وكيف تُدار المصالح، وهل توجد حالات تضارب مصالح أو استغلال للنفوذ.

 

رأفةً بالناس يا تجار! فالربح حقكم، لكن قدرة الناس على الحياة ليست تفصيلًا هامشيًا في حساباتكم. السوق لا يعيش بالتاجر وحده، بل بالمستهلك الذي يشتري. وإذا أرهقتموه حتى يعجز عن الشراء، فلن ينفعكم كثيرًا أن تقفوا أمام محلات ممتلئة بالبضائع، ثم تتحدثوا عن الركود.

خفّضوا الأسعار بصدق، واربحوا باعتدال، وتذكروا أن وراء كل ريال تجنونه أسرةً تحاول أن تعيش بكرامة.

 

ولكم في تجار الشانزليزية ومارسيليا وميلانو أسوة حسنة .. تفرجوا قليلا على ما حدث لهم في الأيام الأولى من الربيع الأوروبي!!

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى