أمٌّ تحمل وجع وطن

أ.د مهدي دبان
صورة تحكي حكاية وطن ينزف، ومعاناة شعب أثقلته المآسي، وصرخة أم تختصر وجع آلاف الأمهات في اليمن… أم تحمل ابنتها الشهيدة على كتفها، وتمضي في طريق جبلي موحش ووعر، لا تبحث عن دواء ينقذها، ولا عن يد تعينها على الحياة، بل تبحث عن قبر يضم جسد طفلتها، وحفنة من التراب تواري بها براءة لم تعرف من الدنيا إلا الألم…
يا لقسوة الحياة حين تضطر أمّ إلى حمل ابنتها نحو مثواها الأخير، بدلا من أن تحملها نحو مستقبل مليء بالأحلام! ويا لوجع القلب حين تصبح الخطوة الأخيرة مع فلذة الكبد طريقا إلى القبر، لا إلى المستقبل المشرق…. أي وجع هذا الذي يثقل القلوب؟ وأي حرب هذه التي ما انفكت تخطف الأرواح، تترك خلفها أمهات مكسورات، وآباءً مقهورين، وأحلاما مدفونة، وذكريات لا يجفّ دمعها؟ وكأن قول المتنبي: «بِمَ التعلُّلُ لا أهل ولا وطن» يختصر شيئًا من حكاية هذا الشعب الذي أنهكته الفواجع، وأتعبته سنوات الألم والحرمان.
وما أقسى أن يصبح أقصى حلم أم يمنية أن تجد لابنتها قبرًا يؤويها، بعدما كان حلمها أن تراها تكبر أمام عينيها، وتفرح بنجاحها، وتزفها يوما إلى الحياة وهي ترتدي ثوب الفرح لا ثوب الحداد!
في هذا المشهد تختصر المأساة كل الكلام، وتسقط أمامه الخطب، ولا يبقى إلا وجع الإنسان حين يفقد أغلى ما يملك…. وخلف هذه الصورة حكايات لا تُحصى لأمهات فقدن أبناءهن، وأطفال حُرموا حقهم في الحياة، وأسر لم تعد تعرف كيف تداوي جراحها أو تستعيد ما سلبته منها الحرب أو حتى تجد ماوئ تركن إليه… إنها ليست مأساة أم وحدها، بل وجع وطن بأكمله، وجرحٌ مفتوح في ضمير الإنسانية …..



