إذا كان الشعب الجنوبي الموحّد قد فوّض مجلسًا انتقاليًا واحدًا؛ فعن أيّ شعبٍ مختلف تبحث المجالس التنسيقية البديلة؟

كتب  د. أمين العلياني

 

ليست أزمة المسار السعودي في الجنوب مجرّد خلافٍ على أسماء الممثلين، ولا تنافسًا على تشكيل مجالس سياسية جديدة؛ بل إنّ جوهر الإشكال يكمن في سؤالٍ سياسيّ بالغ الدلالة: هل تُحترم الإرادة الشعبية الجنوبية كما عبّرت عن نفسها في الميادين ودفعت ثمن مواقفها الصلبة الدم، أم يُعاد تشكيل خارطة التمثيل وفق مقتضيات الترتيبات الإقليمية وحساباتها السياسية؟

حين يخرج شعبٌ إلى الساحات حاملًا قضيةً وطنيةً ومطالبًا بقيادةٍ يرى فيها تعبيرًا عن تطلعاته، فإنّ التعامل مع إرادته لا ينبغي أن يتحوّل إلى عملية إعادة تشكيلٍ مستمرة لخارطة ممثليه كلّما اصطدمت خياراته بحسابات الآخرين؛ فالشعوب ليست فراغًا سياسيًّا تملؤه الكيانات المستحدثة، ولا أصواتًا يمكن تفريقها وجمعها وفق مقتضيات التسويات.

لقد أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي استناده إلى تفويض شعبي، وشهدت الساحة الجنوبية حشودًا مليونية جماهيرية عبّرت عن تأييدها للمشروع السياسي الذي يطرحه، وهذه الوقائع، وإن كانت لا تغني عن قياس التمثيل بأدواتٍ مؤسسية شاملة، تفرض على أيّ مسار سياسي جادّ ألّا يتجاهل الحضور الشعبي للقوى القائمة، أو يتعامل معه بوصفه عقبةً ينبغي تجاوزها بتأسيس أطرٍ بديلة.

ومن هنا تبرز المفارقة: إذا كان الهدف من الحوار الجنوبي مع الجنوبيين هو الاستماع إلى تطلعاتهم، فلماذا يصبح إنشاء مجالس تنسيقية جديدة مدخلًا إلى ذلك الحوار، بدلًا من بناء آلياتٍ عادلة تضمن مشاركة مختلف المكونات، من دون إلغاء الأوزان السياسية والجماهيرية القائمة؟

إنّ الإشكال ليس في التعددية السياسية، ولا في حقّ أيّ مكوّن جنوبي في التنظيم والتعبير عن رأيه؛ فذلك حقّ أصيل لا يصحّ مصادرته؛ إنّما تكمن المشكلة حين تتحوّل التعددية من وسيلة لإثراء الحياة السياسية إلى أداةٍ لإعادة هندسة المشهد، وحين يُستثمر تعدّد المجالس لتقديم الجنوب إلى الخارج بوصفه ساحةً متنازعةً لا تملك إرادةً سياسية واضحة.

ومن هنا يأتي السؤال، فهل يُراد تمثيل التنوّع الجنوبي، أم صناعة انقسامٍ سياسيّ يُقدَّم إلى الخارج بوصفه حقيقةً نهائية عن الداخل؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يواجهه المسار السعودي بصراحة؛ فهناك فرقٌ جوهريّ بين الاعتراف بالتعددية القائمة داخل المجتمع الجنوبي، وبين توظيفها لإضعاف القوى ذات الحضور الشعبي والسياسي المعلن، وكما أنّ توسيع المشاركة يختلف عن إنشاء هياكل جديدة تُمنح أدوارًا سياسيةً لا تتناسب بالضرورة مع امتدادها الفعلي في المجتمع.

وحين تُطرح المجالس التنسيقية بوصفها بديلًا عن إطارٍ سياسي قائم، يصبح من المشروع التساؤل عن معايير تشكيلها: من اختار أعضاءها؟ وما حجم حضورهم الشعبي؟ وما طبيعة التفويض الذي يستندون إليه؟ وهل جاءت نشأتها استجابةً لحاجة مجتمعية حقيقية، أم ضمن ترتيبات سياسية تبحث عن أطراف أكثر انسجامًا مع التصوّرات الإقليمية المطروحة؟

إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُبنى على الاتهامات وحدها، كما لا يصحّ حجبها خلف عناوين براقة عن الحوار والتوافق؛ فالشرعية السياسية لا تُكتسب بمجرد الإعلان عن تأسيس مجلس جديد، بل تستند إلى القبول الشعبي، والوضوح في آليات الاختيار، والقدرة على التعبير عن المصالح العامة، وإذا تحوّلت المجالس التنسيقية إلى منصّات تتنافس على النفوذ والاعتراف الخارجي، فإنّ الخطر يتجاوز إضعاف أيّ طرف سياسي إلى تحويل قضية شعب الجنوب نفسها إلى ساحةٍ تتكاثر فيها الهياكل وتتراجع فيها وحدة الرسالة الوطنية، وهو احتمالٌ يستوجب التحقق من الوقائع والأدلة، لا إطلاق أحكامٍ عامة على جميع المكونات.

إنّ الجنوب، بتاريخه وتضحيات أبنائه وتعدّد اتجاهاته، ليس كتلةً صمّاء لا تعرف الاختلاف، لكنه ليس مجتمعًا بلا ذاكرة سياسية أو إرادة وطنية ومن هنا فقد تتباين مواقفه بشأن الوسائل والقيادات والأولويات، من دون أن يعني ذلك أنّ قضيته الجامعة فقدت معناها، أو أنّ الخارج أصبح صاحب الحقّ في تقرير شكل مستقبله السياسي.

ومن حقّ السعودية، بوصفها طرفًا إقليميًّا فاعلًا في الملف اليمني، أن تسعى إلى ترتيبات سياسية تخدم مصالحها وتساعد على إدارة الصراع؛ لكنّ حقّها في طرح المبادرات لا يمنحها حقّ تقرير الإرادة الجنوبية نيابةً عن إرادة الشعب الجنوبي وتقرر هي من يكون قائدًا لهذه الإرادة ونيابة عنها؛ فالمصالح الإقليمية، مهما كانت أهميتها، لا تحلّ محلّ الإرادة المحلية، والاستقرار المستدام لا يُبنى بتجاوز القوى المؤثرة في الواقع، بل بتسويةٍ واضحة الحقوق والالتزامات، تحظى بقبول أصحاب القضية والإجماع الوطني صاحب الصوت الغالب.

ولعلّ أخطر ما قد ينتجه هذا المسار هو أن يصبح تعدّد المكونات ذريعةً لتأجيل الاستجابة للمطالب الجنوبية؛ فكلّما عبّر قطاع واسع من أبناء الجنوب عن موقفه، جرى الاستدلال على وجود مواقف أخرى لتقليل وزن ذلك التعبير، وكلّما اقتربت قضية شعب الجنوب من استحقاق سياسي، اتّسعت دائرة الكيانات التي تتحدث باسمها، حتى يصبح تعدّد المتحدثين مبرّرًا لتأجيل الحلّ بدلًا من أن يكون مدخلًا إلى حوارٍ أكثر شمولًا.

ومع ذلك، فإنّ التفويض الشعبي، أيًّا كانت قوته، لا يعفي القيادة المفوّضة من مسؤولية الإصغاء إلى النقد، وتوسيع المشاركة، وتجديد الثقة، وضمان تمثيل الاختلافات الداخلية؛ فالتعددية ليست رخصةً لإعادة تشكيل الإرادة العامة من خارجها، كما أنّ التفويض ليس صكًّا دائمًا يعفي أصحابه من المساءلة والنقد البناء.

فإذا كان المسار السعودي جادًّا في دعم حوارٍ جنوبيّ حقيقي، فإنّ الاختبار ليس في عدد المجالس التي يستطيع جمعها، ولا في كثرة البيانات الصادرة عنها، بل في مدى احترام حقّ الجنوبيين في اختيار ممثليهم، وفي قدرته على بناء صيغةٍ لا تجعل التعددية غطاءً للإقصاء، ولا الحوار وسيلةً لتجاوز الإرادة الشعبية.

إنّ قضية شعب الجنوب لا تُحلّ بتكثير المجالس، ولا تُختزل في تبديل الممثلين، ولا تُقاس بمدى رضا العواصم عنها؛ بل تُقاس بقدرة أصحابها على التعبير عن إرادتهم بحرية، وبمدى استعداد الأطراف المعنية للاعتراف بحقّهم في تقرير مستقبلهم.

وعليه، يبقى السؤال الذي لا تستطيع كثرة المجالس أن تحجبه، ولا تستطيع الترتيبات الإقليمية أن تجيب عنه نيابةً عن الجنوبيين:

إذا كان الشعب الجنوبي قد منح تفويضه لقيادةٍ سياسية يراها معبّرةً عن تطلعاته، فعن أيّ شعبٍ مختلف تبحث المجالس التنسيقية البديلة؟ أهو شعبٌ يريد أن يختار ممثليه بنفسه، أم شعبٌ يُراد له أن يبدو مختلفًا كلّما احتاجت التسويات إلى مبرّرٍ لتجاوز إرادته؟

إنّ الإجابة لا تُصنع في الغرف المغلقة، ولا تُشترى بالمواقع والامتيازات، ولا تُفرض بتكثير الهياكل؛ إنّما تُستمدّ من الشعب، وتُختبر بقبوله، وتثبت بقدرته على التعبير عن تطلعاته. ومن هنا فاختلاف الجنوبيين في الوسائل والقيادات لا يمنح أحدًا حقّ مصادرة صوتهم، ولا يبرّر تحويل قضيتهم إلى ملفّ مفتوح لإعادة إنتاج التمثيل وفق حسابات الآخرين؛ فالجنوب ليس شعبًا يبحث عن مجالسٍ أكثر، بقدر ما هو شعبٌ يبحث عن اعترافٍ أوضح بإرادته، ومستقبلٍ لا يُقرَّر بمعزلٍ عنه.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى