النصر لا تصنعه البنادق وحدها

 

كتب أ.د مهدي دبان

في الحروب، التخطيط مطلوب، والتكتيك شيء أساسي، والإعداد لجوانب القوة أمر في غاية الأهمية؛ فالمعارك تحسم بالأخذ بالأسباب، وحسن التدبير، والاستعداد لكافة الاحتمالات … والله سبحانه وتعالى حين أمر بإعداد القوة لمواجهة الأعداء، قال في كتابه الكريم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، فجاءت كلمة قوة مفردة نكرة، لتتسع دلالتها وتشمل كل ما يحقق الاستعداد ويحمي الأمة، دون أن يُغفل اي نوع من أنواع القوة التي تحتاج إليها؛ من قوة العتاد ونوعيته، إلى التدريب عليه، والاستعانة بالخبراء والمختصين لتأهيل المقاتلين، وإتقان فنون القيادة والتخطيط وإدارة المعارك … فالاستهانة بأسباب القوة قد تكلف الأمة أثمانا باهظة لكن وسط هذا كله، تبقى هناك قوة لا تقاس بالمدافع، ولا ترى في ساحات الاصطفاف، ولا تدرج في جداول التسليح، وهي القوة الإيمانية التي تمنح الإنسان ثبات القلب، وصدق التوكل، والشجاعة في مواجهة المحن، واليقين بأن الحق لا يفقد قيمته إذا تأخر انتصاره … ان الإيمان فقط لا يغني عن الإعداد، كما أن الإعداد المادي وحده لا يصنع إنسانا صاحب قضية عادلة ومبدأ راسخ؛ بل إن التوازن بين الإيمان والعمل، وبين التوكل والأخذ بالأسباب، هو ما يمنح الأمة القدرة على مواجهة الشدائد دون أن تفقد بوصلتها أو تتخلى عن قيمها …

ولنا في القرآن الكريم قصص تختصر هذه المعاني العظيمة؛ ففي قصة طالوت وجالوت، حين واجهت فئة قليلة جيشا كثيرا، لم يكن سر ثباتها في عددها، بل في إيمانها وصبرها، فقال الله تعالى : ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249] … تلك الكلمات كانت درسا في أن كثرة العدد ليست ضمانا للنصر، وأن الثبات والصبر وحسن الاعتماد على الله من أسباب تجاوز المحن …. وفي غزوة بدر، تجلت هذه المعاني حين واجه المسلمون ظروفا صعبة، فجمعوا بين الاستعداد والتوكل، واستمدوا من إيمانهم قوة العزيمة والثبات، حتى خلد القرآن تلك اللحظة بقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]… وهنا ينبغي أن ندرك أن الإيمان ليس وعدا بأن ينتصر الإنسان في كل معركة، فقد يتأخر النصر لحكمة لا يعلمها إلا الله؛ لكن الإيمان الحق يحفظ للإنسان كرامته، ويمنحه القدرة على مواصلة طريقه دون أن يبيع مبادئه أو يستسلم لليأس …فالمقاتل الذي يؤمن بعدالة قضيته، ويلتزم بأخلاقها، ويستعد لها بكل ما يستطيع، يجمع بين قوة المبدأ وقوة العمل؛ وإذا خسر جولة فلا يعني ذلك أن الحق قد خسر قضيته، وإذا طال الطريق فلا يعني أن الباطل قد امتلك المستقبل … إن النصر الحقيقي هو أن تنتصر الأمة على ضعفها، وأن تحسن إعداد قوتها، وأن تصون إيمانها وأخلاقها، وأن تدرك أن الأخذ بالأسباب واجب، وأن النتائج بيد الله؛ فكم من باطل علا صوته ثم انكسر مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى