الشعب في الشمال والجنوب مع مشاريع الأرض.. ونخُب الشرعية مع مشروع الوظائف والامتيازات

بقلم: د. أمين العلياني
الاثنين 21 سبتمبر 2026
ثمة مفارقةٌ يمنيةٌ شمالًا وجنوبًا تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن ضجيج البيانات الرسمية وخطابات النخب؛ فحين تُسقِط الحرب أقنعتها، يظهر الفرق بين من يقاتل من أجل مشروعٍ يراه جزءًا من أرضه ومستقبله، ومن يدافع عن شرعيةٍ هاربةٍ تستثمر قتال الشعب؛ لأن وراء المعركة منصبًا أو راتبًا أو امتيازًا سياسيًّا.
في الشمال، استطاع الحوثيون أن يحوّلوا مشروعهم السياسي والعسكري إلى سلطة أمرٍ واقعٍ متجذرةٍ على الأرض، واستطاعوا تعبئة قطاعاتٍ من المجتمع اليمني حوله، حتى صار القتال بالنسبة إلى كثيرٍ من شعبهم دفاعًا عن مشروعٍ يرونه امتدادًا لهويتهم السياسية. وفي الجنوب، ظل المشروع المطالب باستعادة الدولة الجنوبية حاضرًا في الوعي السياسي والشعبي، وارتبطت به تضحياتٌ عسكريةٌ وسياسيةٌ كبيرة على مدى سنوات، وصار الشعب يقاتل لكي ينتصر المشروع على الأرض، لا لأجل ترتيبٍ وزاريٍّ أو وظيفةٍ على حساب المشروع.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارةً للسؤال: أين يقف الشعب، وأين تقف النخب المختبئة تحت أطر مسمّى شرعيةٍ تتخذ منها الرياض أهدافًا لها أكثر من أهداف ما من أجله ضحّى الشعب؟
ومن هنا، فالشعب في لحظة الخطر يعود غالبًا إلى الأرض؛ أما بعض النخب فتعود إلى الوظيفة؛ لأن الشعب يسأل: من يحمي أرضي؟ ومن يصون مستقبلي؟ بينما يسأل الموظف السياسي: أين موقعي؟ ومن يدفع راتبي؟ ومن يمنحني شرعية البقاء؟
ومن هنا يمكن فهم جانبٍ من التناقض الذي يطبع المشهد اليمني شمالًا وجنوبًا: الشعب وقواه التي تقاتل لأنها تحمل مشروعًا، ونخبٌ تتحرك لتستثمر تضحيات الشعب لأنها تحمل بطاقة وظيفة.
وهنا ليس المقصود اختزال المجتمع الشمالي في الحوثيين، ولا المجتمع الجنوبي في المجلس الانتقالي الذي يعبّر عن تطلعات الشعب؛ فداخل الشمال والجنوب تعددٌ واسعٌ في المواقف والتيارات والمصالح، لكن الحرب كشفت بصورةٍ قاسيةٍ أن المشروع الذي يمتلك قاعدةً شعبيةً وهويةً اجتماعيةً وثقافيةً وسياسيةً وعقيدةً وطنيةً، ويجد من يدافع عنه على الأرض، يستطيع الصمود أمام تقلبات السلطة، بينما تظل بعض النخب المرتبطة ببنية الحكم أكثر التصاقًا بمواقع النفوذ ومصالحها المرتبطة بها.
وهنا تبرز حالةٌ جنوبيةٌ نموذجية في عالم السياسة تستحق أن تدرّس من جهة وتستحق التوقف عندها من جهة أخرى: حالة الرئيس عيدروس قاسم الزُّبيدي؛ لا بوصفه فوق النقد أو خارج الجدل السياسي، وإنما بوصفها أنموذجًا مثاليًّا يمكن من خلاله اختبار الفارق بين السياسي الذي يحمل مشروعًا إلى السلطة، والسياسي الذي يحمل السلطة إلى المشروع؛ فالرئيس الزُّبيدي، وفق هذا التصور، لم يدخل معترك السلطة بحثًا عن مشروعٍ يمنحه شرعية البقاء في منصبه، بل حمل إلى السلطة مشروعًا يقول إن الشعب الجنوبي العربي فوّضه للتعبير عنه والدفاع عن أهدافه، وعندما جاءت السلطة، لم تكن الغاية في ذاتها، وإنما أداةً سياسيةً لتحقيق ما أمكن من أهداف ذلك المشروع، وتثبيت حضوره في مؤسسات القرار.
وهنا تكمن المفارقة: أن تُستخدم السلطة لخدمة المشروع، لا أن يُستخدم المشروع للوصول إلى السلطة؛ فالموقع السياسي، مهما علا، يبقى عابرًا؛ أما القضية السياسية العادلة التي ضحّى من أجلها الشعب بأرواحه فلا يمكن أن تختزل في مقعدٍ أو منصب. ولهذا، فإن اللحظة التي يتعارض فيها الحفاظ على المنصب مع ما يراه صاحبه جوهر التفويض الشعبي تصبح لحظة اختبارٍ حقيقية: هل يتمسك السياسي بالكرسي، أم يتمسك بالمشروع الذي أوصله إلى الكرسي أصلًا؟ وهذا ينطبق على موقف الرئيس الزبيدي الذي ضحى بالسلطة انتصارًا لمشروع الشعب حين رأى الاحتيال الواضح على ذلك المشروع التحرري.
وفي هذه النقطة تحديدًا يمكن قراءة موقف الرئيس الزُّبيدي من منظور إرادة شعبه الذي يخرج لمجرد تغريدةٍ منه أنه منتصر لتلك الإرادة: حين رأى أن استمرار الموقع السياسي قد يتحول إلى غطاءٍ للالتفاف على المشروع الذي جاء به إلى السلطة، لم يجعل من المنصب عقيدةً سياسيةً ولا غايةً نهائيةً، وهذه هي النقطة الفاصلة بينه وبين كثير من قادة المشاريع الذين يتخذون من مشروع الشعب غاية في الوصول إلى السلطة؛ فالمقاتل الجنوبي الذي دفع حياته في ساحات القتال لم يذهب إلى المعركة من أجل راتب وزير، ولا من أجل مقعدٍ في مجلس، ولا طمعًا في امتيازٍ حكومي؛ بل قاتل، في وعيه السياسي، من أجل مشروعٍ يعتقد أنه يتصل بأرضه وهويته ومستقبل شعبه. ومن ثم، فإن اختزال ذلك النضال في المناصب التي حصل عليها بعض ممثليه هو قلبٌ لمعادلة القضية نفسها كما بدا في مواقف بعض قادة كانوا ضمن مشروع الشعب وصاروا اليوم يتزعمون المرحلة بعد أحداث يناير الدامية تضحية بمشروع الشعب الذي قاتل من أجله بهدف الحصول على سلطة غير مدركين إن الذين ضحّوا بأرواحهم لم يضحّوا من أجل أن تنتقل الوظائف من يدٍ إلى يد، ولا لكي تتغير أسماء الجالسين على المقاعد؛ بل قاتلوا لأنهم آمنوا بأن وراء الدم المسفوح قضيةً تستحق أن تصل إلى غايتها.
ولهذا، فإن المنصب قد يسقط، لكن المشروع الذي قاتل من أجله الشعب لا يسقط بالضرورة بسقوط المنصب؛ بل إن سقوط المنصب قد يكون، في بعض اللحظات، الاختبار الأكثر قسوةً لصدق الانتماء إلى المشروع كما تجسد في مثالية الرئيس الزبيدي. ومن هنا، فالذي يحمل قضيةً لا يدفنها بخروجه من الوزارة أو من الرئاسة، ولا يتركها عند بوابة القصر، ولا يستبدلها حين تتغير موازين النفوذ.
ومن هنا تبدو القاعدة السياسية أكثر وضوحًا: حين تكون العلاقة بالسلطة قائمة على المشروع، تصمد عند سقوط المنصب؛ وحين تكون قائمة على المنصب، يسقط المشروع بسقوط المنصب؛ فالنخب التي دخلت معادلة الشرعية بحثًا عن الدولة مثل الرئيس الزبيدي لا ينبغي أن تخشى فقدان الوظيفة؛ لأن استعادة الدولة هي الغاية، والمنصب وسيلة للوصول إلى انتزاع حق الشعب. أما حين يصبح المنصب هو الغاية كما عند بعض من تخلوا عن المشروع بعد أحداث يناير، فإن الخطاب السياسي يتبدل بتبدل صاحب القرار، وتتحول المبادئ من ثوابت إلى أوراق اعتماد، ويتحول الولاء من الأرض إلى الجهة التي تملك قرار التعيين.
ولهذا ينبغي للقارئ أن يكون أكثر حذرًا أمام التصريحات السياسية الصادرة عن موظفي السلطة، شمالًا وجنوبًا؛ فليس كل تصريحٍ منهم دليلًا على تحولٍ اجتماعي وانتماء لمشروع سياسي، وليس كل موقفٍ رسميٍّ تعبيرًا عن قناعةٍ شعبية، فقد يكون بعض الكلام انعكاسًا لموقع صاحبه في هرم السلطة، لا انعكاسًا لموقف الشعب الغاضب في الشارع. ومن هنا فالاختبار الحقيقي لأي نخبة ليس ما تقوله وهي في المنصب، بل ما تقوله وتفعله حين يغادرها المنصب. وعندها فقط تتساقط الأقنعة؛ فالذي يحمل مشروعًا إلى الأرض لا يتركه عند بوابة الوزارة، والذي يحمل وظيفةً إلى السياسة يترك السياسة عند بوابة الوزارة. وإذا جفّت منابع الامتيازات، وانقطعت الرواتب السياسية، وسقطت المناصب، وتبدلت موازين النفوذ، فستظهر الخريطة الحقيقية: من بقي مع مشروعه، ومن عاد إلى قاعدته الاجتماعية وحواضنه الشعبية ومشاريعه السياسية، ومن اكتشف أن ما كان يسميه قضيةً لم يكن في حقيقته أكثر من عقد عملٍ سياسي.
لهذا فإن قراءة المشهد في اليمن شمالًا وجنوبًا اليوم لا ينبغي أن تبدأ من أسماء المسؤولين وحدها، بل من سؤالٍ أبعد وأعمق: من يملك مشروعًا على الأرض، ومن يملك وظيفةً في السلطة فالمشاريع التي تستمد قوتها من السعب وتضحياته لا تنتهي بانتهاء كشوف المرتبات، أما المشاريع الوظيفية فتظل معلقةً بمصدر الراتب وبقاء صاحب القرار.
وفي نهاية المطاف، قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتسقط المناصب، وتُعاد هندسة المؤسسات والقوات؛ لكن الأرض تبقى، والذاكرة تبقى، والناس يعودون إلى الأسئلة الأولى التي دفعتهم إلى الحرب وضحّوا في استعارها لأجل مشاريع وطنيةٍ على الأرض ويجب أن تنتصر.
وهناك، في آخر الطريق، لا يبقى للسياسي سوى ما حمله إلى الشعب وما بقي معهم بعد ذهاب السلطة؛ فالكرسي قد يمنح صاحبه سلطةً مؤقتة، لكنه لا يمنحه قضية، والقضية التي خرج من أجلها السعب إلى الميدان لا تصبح ملكًا لمن جلس على الكرسي؛ بل تبقى ملكًا لمن دفع ثمنها من تضحيات.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيحسمه الزمن ليس: من بقي في السلطة؟ بل: من بقي مع المشروع عندما ذهبت السلطة؟.








