بعد ظهر الاثنين 13/يناير/1986م مركز التدريب العند. الحلقة (3)

 

شهاب الحامد

مافي شك ان غيرنا من الزملاء في المحور الغربي او حتى مركز التدريب قد يكون لديهم معلومات او تفاصيل اكثر منا ولكننا لم نكن نعرف اكثر مما نقله الينا زميلنا مرخوص عن اذاعة عدن، كتمنا الخبر الا فيما بيننا وكان معنا من الاخوة ابناء احور : عبدالرحمن ابوبكر الحامد و محسن فضل منصر ومبارك احمد باصر ومبارك سعيد الوعر ومن ابين محمد مرخوص (الكود) وحيدره علي دحّه (المسيمير) وحسين محمد حيدره (عمودية) وفاروق علي عبيد (باتيس) وعلي كمبش (باتيس) وعبدالرزاق الدوبحي(زنجبار) ومن عدن ربيّع علي بن علي (البريقا) وفهمي (المعلا) وهشام عبدالحميد او عبد المجيد لا اذكر الاسم بالضبط وهذا كان زميلي في فريق كرة الطائرة بالمعسكر( كريتر) وسند من المعلا وهذا كان قائد فصيلة وكان يحضّر الفصيلة بطريقة سريعة جدا: (الحضور كذا والواجب كذا والغياب كذا واثنين في السيك) !، وزميل آخر اسمه وصحبته باتت مشكلة طيلة الايام التالية وهو علي محمد علي احمد (عدن) ومن شبوه مرخه اثنين من آل المحضار (احمد وعبدالله) وكانت بينهم علاقه اسرية اعتقد ابناء عمومة، ومن حضرموت فيصل باوزير وعلي بن كوير وصلاح باتيس وحسين المشجري والاخير كان ملك (الدمنة والطبل على التوكة) وآخرين كثر لكن هؤلاء كنا شلة متآلفين اكثر لذا تناقلنا الخبر أولا فيما بيننا ولكن لم يقف عندنا كثيرا حتى انتشر في الفصل والجوار واختفى مرخوص بين المتجمهرين حوله وهو يحكي لهم مافهمه من البيان او كما سمع وعجبني هذه المره انه لم يطلب ماء ، حتى فاروق اتكى على ركبة مرخوص وينصت اليه بأحترام.

الساعة الرابعة والنصف عصرا ونحن مازلنا نرقب الوضع من اعلى مبنى المدرسة سمعنا صافرة الجندي أول (عُرضي) هكذا ينادونه في المعسكر وهو من ابناء ردفان ، وصافرته كانت امراً بالنزول لساحة المدرسة ، نزلنا مسرعين واصطففنا في طوابيرنا المعتادة وعيوننا صوب عُرضي وقلوبنا تكاد تقفز من مكانها لهفة لسماع اخبار وخيفة من مآلاتها.

كان الارتباك ظاهرا عليه وانفاسه وزفراته تتدافع بسرعة ، كان كثير الالتفات وغير ثابت في مكانه ويحمل بندقية الية وحقيبة مملوءة على صدره ، بدأ الحديث بالقول: (انتباه ياكلاب .. مش كلكم كلاب، الكلاب قتلوا علي عنتر)!.
هنا وضحت الصورة اوافتهم لنا انه يقصدنا طالما والكلاب قتلوا علي عنتر فنحن كلاب بالضرورة.

لم يقف الامر عند هذا الحد بل تجاوزه عرضي بالقول: (ابناء ابين وشبوة اخرجوا على جنب)، اخذنا نسترق النظرات فيما بيننا عبر الصفوف يمكن نجد مواساة او رد اعتبار، الكل مصدوم وغير مستوعب وتعطلت لغة الكلام واسودت واظلمت الدنيا امامنا تماما، وخرجنا من عدة طوابير والجميع يشهد حالة الفرز هذه ويسأل نفسه وماذا بعد؟.. كانت نظرات بعض الزملاء تلاحقنا باستعطاف واشفاق ونظرات البعض ترمقنا باحتقار وازدراء، وبعد ان تم الفرز اقترب منا عرضي مستعرضا بسلاح ينقله من الكتف اليمين ويضعه على صدره مثل الوشاح الذي يعلق على صدور المتفوقين.

نعم فقد كان عرضي متفوقا علينا وبامتياز عندما قال: انتم حسب التعليمات ستعودون الى عنابركم ولا تتحركوا حتى تأتيكم تعليمات من القيادة والمجموعة الاخرى تتوجه معنا الى خزينة السلاح.

مشينا باتجاه العنابر مثل الذي عمل فضيحة ووجب التشهير به امام الملأ .. رفاقنا يتجهون الى خزينة السلاح ونحن نعود الى الثكنات للتحفظ علينا مثلنا مثل الرهائن تماما ، وقبل ان نصل الى العنبر بأمتار قليلة نادوا علينا من سيارات نقل الجند الخارجة من المعسكر بان نلحق بهم سيرا الى (جسر العشش) ، لم نلتفت إليهم اول الامر لان المناداة كانت بذيئة جدا وكلها سباب وشتائم ، الا ان الامر كان جدي بالفعل عندما سمعنا أحدهم يخبر اخر على ناقلة متوقفة امامه بان حادثا عرضيا وقع لدبابة وانحرفت من على الجسر ومازالت معلقة به وهناك اصابات .

انطلقنا جريا باتجاه الجسر ولم نأبه لتعليمات عرضي ، وعند وصولنا رأينا الدبابة وقد تدحرجت في الوادي اسفل الجسر واثار الدماء على حافة الجسر جهة سقوط الدبابة ، نزل بعضنا الى الوادي للمساعدة في اخراج من فيها فقد اخرجوا منها بعد عناء شديد اثنين مجندين من الدفعة (17) كانا على وشك التخرج والانتهاء من فترة الخدمة العسكرية ولكن القدر لم يمهل احدهما وتوفي في الحال بينما اصيب الاخر ويدعى خالد وهو من ابناء لحج ببتر اصبعين من احدى يديه اثناء محاولة خروجه والقفز من الدبابة قبل سقوطها عندما اغلق على يده الباب او الفتحة العليا التي ينفذون منها.

اقتربنا من سيارة اسعاف متوقفة على الجسر ونظرنا داخلها واذا بالنقيب فضل مسجى على سريرها وقد فارق الحياة وتغطي معظم جسده الدماء، وقبل ان نسأل اجابنا المساعد الطبي رشيد محمد هيثم المكلف بعملية الإسعاف ان النقيب فضل عندما شعر بانزلاق الدبابة وكان حينها واقفا ونصفه الاعلى الى الخارج حاول القفز والخروج منها ولكنه وقع على حافة الجسر وانقلبت عليه بينما الاخرين لم يتمكنوا من الخروج وسقطت بهم الى الأسفل، وبعد ان انتهت عملية الاسعاف، عدنا سيرا على الاقدام الى عنابرنا.

الحلقة (4)

قبل مغرب الاثنين 13/يناير/1986م مركز التدريب العند.

نعم وصلنا منهكين قليلا من المشي واردنا الجلوس للراحة قبل الدخول الى العنبر ورأينا النقيب جمال الدين (من ابناء عدن) وهو من المدرسين في مدرسة سلاح الاشارة ومن الضباط القلائل الذين لا يمانعون في التحدث معنا وسألنا عن سبب جلوسنا هنا ؟ واخبرناه اننا عدنا مشيا من الجسر وجلسنا للراحة ولا ندري ماذا نفعل غير الجلوس او الدخول الى العنبر، فقال : ليش مارحتوا مع رفاقكم للخزينة ؟
فاخبزناه بأنهم فرزونا وامرونا بالعودة للعنابر.
وعندها قال: مش معقول!! من فين التعليمات؟
قلنا أخبرنا عرضي بذلك ، قال ادخلوا بسرعه ولا تخرجوا حتى اعود لان الوضع متوتر جدا في عدن والدنيا مقلوبة ادخلوا بسرعه ولا تتحدثوا مع أحد.

وما ان هممنا بالدخول حتى طوقتنا اعداد من سيارات النقل البري نوع فيات ونيسان ازرق طويل وبعض السيارات الخاصة نوع تويوتا قديمة وعلى متنها المئات من رجال القوات الشعبية وابناء القبائل، اتوا بهم للتزود بالسلاح والزج بهم في المعارك الدائرة في عدن عند الطلب.

تحذيرات النقيب جمال اربكتنا أكثر وجعلتنا نندم على اليوم الذي اتينا فيه الى العند ، واحسسنا باننا ضعفاء وجبناء ومهانون ، ننتظر مصيرا مجهولا ولا من يشفق علينا بعفو او قليل من احترام وصيحات ابواب سيارات النقل المصدّية تزيد الرجفة ، ودوي زوامل رجال القبائل القادمون على متنها للثأر تهز الارجاء وتوحي بانعدام الامل في الحياة وباننا هالكون لامحالة.

اخذنا نشق الصفوف بين الحشود التي اكتظت بها الساحات والممرات بين العنابر وكلنا امل ان ندخلها وبعدها يحلها ربنا، وبينما كانوا مشغولون ببعضهم يخاطبون بعض الضباط الذين اتوا لاستقبالهم وترتيب اوضاعهم تمكنا من الدخول واحدا تلو الاخر الى السكن واغلقوا الابواب علينا وأصبحنا في عداد الاسرى او هكذا خيّل الينا.

انقطعنا عن العالم الخارجي الا من نظرات سريعة من شقوق النوافذ نستطلع الامر خلسة واذا الساحات تموج بالحشود وتعج بالزوامل والهتاف ولحسن الحظ ان من يتزملون ويهتفون بالخارج لا يعلمون عنا شيئا ولا يعرفون هويتنا ولهذا كنا نسمع من بعضهم كلما اقتربوا من النوافذ عن التأكيد على الثأر ممن يجدونه هنا من ابناء ابين وشبوة .. مرّت تلك الدقائق ثقيلة مريرة عصيبة ونحن نتدافع على شقوق النوافذ مثل تدافع الفراش على الضوء، نسترق السمع لمعرفة مايدور بالخارج ، وفي ذات الوقت بدأنا نتشاور إذا ما سؤلنا عن موقفنا مما يحدث ، البعض يقول: نحن مجندون جدد لسنا مع أحد ولا دخل لنا فيما يحدث والبعض الاخر يقول: سنقول لهم سلحونا ونحن معكم ، ومجموعة اخرى تقول: سنقول اننا مع الحزب الاشتراكي ولسنا مع شيء اخر.

وجدنا انفسنا وقد وقعنا في حوسه مثل حوسة عبدالله بن احمد بن علوان في مسرحية التركة عندما كتب برقيتين ولا يدري أي البرقيتين ستنجيه.

جميعنا شباب في مقتبل العمر من خريجي الثانوية العامة والمعاهد الموازية ، نحلم ونتطلّع الى مستقبل زاهر ومشرق، ولا يهمنا زيد ولا عبيد من القيادات، نفكّر في انفسنا وحياتنا ومستقبلنا وخلاصنا من هذه المحنة العويصة، ولم تمر علينا تجارب او مواقف كهذه ولم يكن فينا حينها من يستطيع ان يدلنا على مخرج او مسلك وكل ما وصلنا اليه في الاخير من اننا معرضون للهجوم والتصفية في اية لحظه (بناء على ما سمعناه من تهديد) وعليه يجب ان نكون متنبهين ويقظين الى اقصى حد وان نكون بجانبي النوافذ والابواب وليس امامها حتى اذا ما بدأوا بالدخول نهاجمهم معا ونأخذ ما نستطيع من اسلحة للدفاع عن انفسنا. بصراحة لعبت بنا الوساوس وجرجرتنا الظنون والهواجس حتى ان بعضنا استحضر عدد غير قليل من الافلام الهندية التي شاهدها من قبل وركز على بعض لقطات الاكشن فيها وكيف ان البطل استطاع ان يغلب جيشا بمفرده.

الوقت الان بعد الخامسة والنصف عصرا بقليل عندما اخبرنا الزملاء المكلفين بالاستطلاع من ثقوب وشقوق النوافذ عن وصول عدد من الضباط وسيارات محملة بالاسلحة الخفيفة والمتوسطة وانها تقترب منا وسرعان ما انتشرنا في مواقعنا على جانبي المداخل وكان من بين الضباط الذين نعرفهم النقيب علي بن علي النكّاحي وهو نائب قائد سلاح الاشارة بمركز التدريب أي نائب الرائد منصور ، والملازم اول علي بن علي عبدالرب والنقيب زيد وبعض الضباط والصف من المحور الغربي لانعرف أسمائهم فعملوا على تقارب الحشود والتحدث معهم ومن ثم قام بعض الجنود المرافقين للضباط بفتح كشوفات وتسجيل الاسماء وبعد ذلك تم توزيع السلاح على المجاميع من رجال القبائل والقوات الشعبية، وما ان انتهوا حتى اعطيت لهم التعليمات بالدخول الى العنابر والانتظار حتى تأتيهم التعليمات من القيادة .

كان عنبرنا أقرب العنابر إليهم وما ان توجهوا اليه واقتربوا حتى اعترضهم بعض الضباط مشيرين إليهم بالتوجه الى العنابر الاخرى كون هذا العنبر مخصص للمجندين من ابناء ابين وشبوه، وما ان سمعوا انه مخصص لنا ثارت ثائرتهم وقامت قيامتهم ، وكيف انهم حاولوا كسر الابواب محاولين اقتحامها !!.

نلتقي في حلقة الغد ان شاء الله .

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى