بين ما زال ولا زال … دقة الفعل تكشف فصاحة التعبير

 

كتب/ حسين العولقي

ما تزال اللغة العربية تضعنا أمام اختبارات يومية تكشف فيها عن أسرارها الدقيقة التي تفصل بين العامي والفصيح وبين المألوف والصحيح ومن هذه الأمثلة ما نقرؤه أو نسمعه باستمرار في وسائل الإعلام .. لا زالت الأزمة مستمرة .. و لا زال البحث جاريا .. و لا زال الطلاب في الانتظار . ورغم أن هذه العبارات أصبحت شائعة وسهلة التلقي إلا أنها لغويا موضع نظر ويفضل استبدالها بصيغة أخرى أكثر فصاحة : ( ما زالت الأزمة مستمرة ) و ( ما زال البحث جاريا ) و ( ما زال الطلاب في الانتظار ) .

فما المشكلة في لا زال؟ ولماذا يفضل النحويون ما زال ؟

الأمر يرتبط بالقواعد النحوية الخاصة بالأفعال الناقصة وتحديدا ( زال ) وما يتقدمها من أدوات نفي فعبارة ( ما زال ) تتكون من ما النافية وفعل زال الناقص وهي من أخوات كان التي تعمل عملها . فترفع الاسم وتنصب الخبر وتفيد الاستمرار .. مثال ذلك: ( ما زال المطرُ ينهمر ) أي أن المطر لا يزال مستمرا في الهطول حتى لحظة الحديث .

أما ( لا زال ) فهي من حيث التركيب غير فصيحة إذا أُريد بها إثبات الاستمرار لان ( لا ) لا تعمل عمل ما هنا ولأن تركيب لا زال منطقيا قد يفهم على أنه نفي *لوقوع* الفعل لا إثباته . أي أن لا زال واقفا تعني ضمنا : لم يعد واقفا أي أنه جلس أو رحل لا أنه مستمر في الوقوف .

ولذلك فان كبار النحويين كالزجاج والفراء والرضي الأستراباذي ميزوا بين ما زال الفصيحة في الإثبات ولا زال التي تستخدم غالبا في سياقات دعائية أو شعرية أو عامية مثل : ( لا زلت بخير ) وهي صيغة دعائية أكثر منها خبرية .

لكن الأمر لا يخلو من مرونة لدى بعض اللغويين المعاصرين الذين رأوا أن تكرار لا زال في الإعلام الحديث أسهم في ترسيخ معناها المستمر حتى وإن خالف هذا الفهم القاعدة النحوية التقليدية . ومع ذلك تبقى المعايير اللغوية الفصيحة مرجعية مهمة خاصة في الإعلام المكتوب والخطاب الرسمي .

فاللغة ليست فقط وسيلة تواصل بل هي مسؤولية . والتعبير السليم لا يقتصر على اختيار المفردات بل يشمل أيضا دقة التراكيب . واختيار ما زال بدلا من لا زال ليس مجرد ترف نحوي بل التزام بالفصاحة التي ترفع من مستوى المحتوى وتكرس احترام اللغة في الإعلام والكتابة .

فهل نعيد النظر في هذه التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق الكبير ؟
ما زال ذلك أحد مفاتيح التميز اللغوي .

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى