اللواء البحسني يكتب عن عملية تحرير ساحل حضرموت من العناصر الإرهابية لتنظيم القاعدة

كتب: اللواء فرج البحسني نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي
جاءت فكرة الإعداد لعملية تحرير ساحل حضرموت من العناصر الإرهابية لتنظيم القاعدة نتيجة للتداعيات السياسية والعسكرية والقبلية والأمنية والمجتمعية التي شهدتها حضرموت، وبتوجيه من فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي، وبإلحاح من قيادات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
تم أول لقاء بيني وبين قيادات عسكرية رفيعة من دولة الإمارات العربية المتحدة في أول شهر رمضان المبارك في مدينة جدة، حيث تناولنا الإفطار في فندق إنتركونتيننتال، ثم انسحبنا مباشرة إلى غرفة ينزل فيها القادة الإماراتيون، وعلى رأسهم أبو محمد وأبو خليفة، حيث عرضوا خطة سرية لكيفية إعداد القوة والتحضير لعملية تحرير ساحل حضرموت.
لا أخفي عليكم أنه كان هناك تباين في وجهات النظر، واتفقنا على لقاء آخر في الرياض، ولكن تسارع الأحداث نتيجة ضغط الحوثيين على مأرب أدى إلى تأجيل العملية إلى وقت لاحق.
وخلال تلك الفترة، استغليت الوقت في التفكير والتحضير لأفكار قد تساعد في المستقبل، وعملت في غرفة العمليات المشتركة في الرياض، أنا ومجموعة من القادة الضباط، وتمكنا من الاطلاع على سير العمليات القتالية في مختلف الجبهات.
وبعد مرور ما يقارب عامًا، طلبنا مجددًا اللقاء مع نفس القادة الإماراتيين، وعلى رأسهم أبو محمد وأبو خليفة، وهذه المرة لم يكن هناك أي تباين، حيث تقاربت وجهات النظر، واتفقنا على إعداد قوة نظامية يقودها ضباط محترفون من ذوي الخبرة العالية.
التحق بهذه القوة شباب من أبناء حضرموت من ذوي التعليم الجامعي والثانوي، وتم فتح معسكرات تدريب لهذه القوة بعيدًا عن أنظار تنظيم القاعدة الإرهابي في صحراء الربع الخالي، في معسكر الخالدية ومعسكرات أخرى قريبة منه، وقد تم تجهيز هذه المعسكرات بكافة الوسائل والإمكانيات والإمداد اللوجستي، وفتحت فيها ميادين تدريب ومطار عسكري ميداني.
كل ذلك تم بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، وبدأ التدريب المباشر حيث انتدبت مجموعة من الضباط العسكريين وضباط الاستخبارات الإماراتيين لتدريب القوة، كما شارك ضباط وصف ضباط من أبناء حضرموت ذوي خبرة.
وأؤكد بكل اعتزاز أن أعدادًا كبيرة من الشباب كانوا يقفون في الشمس منتظرين دورهم لمقابلة لجنة القبول، وخلال أسابيع قليلة تحول هؤلاء الشباب من أفراد مدنيين إلى أسود مستعدين لكل أساليب التدريب، وتم غرس روح معنوية عالية في داخلهم.
مرحلة الإعداد والتوسع
مرت الأيام والأشهر وازداد عدد المنتسبين في هذه المعسكرات، وكانت القيادات العليا متمركزة في شرورة، حيث تم عقد عدة اجتماعات لتقييم القوة وإعداد الخطط.
شارك في الاجتماعات الإخوة ممثلو المقاومة، وأُعطي لهم دور في زعزعة أمن العناصر الإرهابية داخل المدن وقطع الطرقات والاستيلاء على نقاط معينة أثناء تقدم القوات العسكرية الأساسية، كما تم عمل كبير لا يُستهان به مع الشيوخ وقادة القبائل والمجتمع بشكل عام لإشراكهم في عملية التحرير.
وبعد حوالي أربعة أشهر، أُسندت لي قيادة عملية التحرير، وطلب مني أيضًا إعداد قوة لديها دراية بالتدريب العسكري وخبرة في استخدام الأسلحة، لتكون عاملًا إضافيًا للقوة التي تم إعدادها.
تحركت من شرورة بعد الظهر ووصلت إلى معسكر نحب بعد المغرب، وكان في استقبالي مجموعة من القادة الضباط الحضارم، وعلى الفور سلمت عليهم وأخبرتهم بأنني سأقابل كل ضابط على انفراد لمعرفة إمكانياته وتوظيفه وفقًا لقدراته.
وفي صباح اليوم التالي بدأت مقابلة الضباط، وتم ترتيبهم حسب القدرات والإمكانيات القيادية، ثم انتقلت إلى معسكر الخرب، حيث واجهت مهمة صعبة، فقد تم تجنيد ما يقارب 15 ألف مجند خلال بضعة أيام.
أمرت بتشكيل لجان تجنيد في كل مديريات المحافظة، تتكون من ضباط ومدير عام المديرية وعنصر أمني، وكان المعسكر صغيرًا لاستيعاب هذا العدد الكبير، فتم فرز الأفراد إلى سرايا وكتائب، وبعد أيام وصل الدعم اللوجستي من سيارات وأسلحة وفنون ومركبات.
وكانت عملية استقبال هذا العدد الهائل من المجندين والأسلحة والعتاد في غاية الصعوبة، لكن كان هناك ضباط على قدر عالٍ من الاقتدار تمكنوا من إدارة هذه العملية.
التحضير الأخير وانطلاق المعركة
قبل الشروع في عملية التحرير، تم نقل القوة الأساسية التي تلقت تدريبًا كافيًا من معسكر الخالدية إلى معسكر نحب، ليكون نقطة حشد قريبة من موقع الانطلاق.
وخلال الأيام الأخيرة، تم تدقيق المهام وتوزيع الأدوار، كما تم إجراء تمرين ليلي لخروج القوة بكامل عتادها لتفادي أي صدام أو ارتباك عند بداية التحرك.
تضمنت الخطة التحرك عبر ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الشرقي باتجاه المعدي ثم ميناء الضبة.
المحور الأوسط باتجاه ريدة المعارة، الأدواس، عبدالله غريب، العيون، وصولًا إلى مطار الريان.
المحور الغربي باتجاه الطرق القبلية وصولًا إلى القصر الجمهوري في المكلا:
في منتصف ليلة 24 أبريل أُعلنت ساعة الصفر، وانطلقت العملية، وكان الجنود على استعداد تام ويتمتعون بروح معنوية عالية.
ومع بزوغ الفجر، وصلت طلائع القوات إلى معسكر الأدواس، وهو من أعنف وأقوى المواقع تحصينًا، حيث واجهنا مقاومة شديدة من العناصر الإرهابية.
تم طلب الإسناد الجوي من طيران التحالف، وبعد ساعات من المعارك المتواصلة تم القضاء على معظم العناصر الإرهابية في الموقع، واستمرت القوات بالتقدم.
الحسم وتحرير المكلا
واصلت القوات تقدمها نحو عبدالله غريب، ثم نحو العيون، حيث واجهنا كمائن قوية بأسلحة متوسطة وألغام وعبوات ناسفة، وكان الطريق ضيقًا لا يسمح بالمناورة.
ورغم الخسائر، واصل الجنود تقدمهم بثبات، وتم طلب دعم جوي إضافي، وخلال دقائق وصل سرب من طيران التحالف وبدأ بقصف مواقع العدو بدقة.
تقدمت القوات بسرعة، وتم دخول مطار الريان قبل حلول الظلام، رغم وجود نيران من محيط المطار، وتم تجاوزها بسرعة.
وفي صباح اليوم التالي أُعلن نجاح العملية التي أذهلت الجميع بسرعة تنفيذها، حيث تم تحرير ساحل حضرموت خلال أقل من 48 ساعة.
مرحلة ما بعد التحرير
بعد التحرير، بدأت مرحلة تثبيت الأمن، وكانت مرحلة صعبة، حيث لجأت العناصر الإرهابية إلى تنفيذ عمليات انتحارية داخل مدينة المكلا، واستهدفت مواقع حساسة.
كما تم كشف محاولات خبيثة لتفجير الجنود عبر وسائل تمويه، لكن الأجهزة الأمنية كانت يقظة وتم إحباط تلك العمليات.
تم وضع خطة أمنية محكمة داخل المدينة، وإغلاق المنافذ، ومداهمة المواقع المشبوهة، وضبط كميات كبيرة من المتفجرات والأسلحة.
كما قامت بعض العناصر الإرهابية بالتحصن في وادي المسيني، وهو موقع صعب، فتم التنسيق مع التحالف لتنفيذ عملية اقتحام عبر الجبال، حيث تحركت القوات سيرًا على الأقدام لساعات طويلة، وتم القضاء على هذا المعقل.
بهذا العمل العظيم، تكون حضرموت قد أسهمت إسهامًا كبيرًا في الحرب على الإرهاب، واستحقت التقدير من جميع دول العالم، وكان لهذا الإنجاز مردود إيجابي في الأمن والاستقرار والتنمية.



