عدن… الفاتنة التي لا تشيخ

كتب ـ أ.د مهدي دبان
مازلت أحن إليك يا عدن… أحن إلى ستينات الذهب، حين كانت المدينة تمشي بثوب البحر، وتتزين بملح المرافئ، وتنام على أنغام الموج ورائحة القهوة والكتب والناس الطيبين… مازلت أعيش على ذكرى أيام خلت، لكنها لم ترحل أبدا؛ بل بقيت معلقة في الروح كأغنية قديمة لا يبهت لحنها مهما طال الزمن…. لم تبارحي مخيلتي يوما، ولا غبت عن بالي ساعة، فبعض المدن تستوطنا، وبعض الأوطان تتحول إلى نبضٍ دائم في القلب، كلما حاول الزمن إطفاءه ازداد توهجا واشتعالا. من قال إن المدن تشيخ فقد كذب… وما يدرى أن المدن العظيمة تُرهقها الجراح لكنها لا تموت…..وعدن، تلك الفاتنة التي أحببناها، لم تفقد جمالها مهما تسلط عليها الغاصبون، ومهما حاول المعتدون أن يقيدوا روحها ويكبلوا فرحها… فالجمال الحقيقي ليس في المباني ولا الأرصفة وحدها، بل في الروح التي تسكن المكان، وروح عدن مازالت عصية على الانكسار…. قد يتأخر الفجر، وقد يطول ليل التعب، لكن البحر الذي تعلم الحرية لن يقبل القيود طويلا. وكل ما يحدث لها اليوم ليس إلا غبارا عابرا فوق وجه الشمس، سرعان ما تبدده الرياح، لتعود المدينة أكثر سحرا، وأكثر نقاءً، وأكثر عشقا في عيون أبنائها. وسأظل أنتظرها… سأقف على شاطئها الجميل، أحدق في الأفق البعيد، وأؤمن أن اللقاء قادم لا محالة. سأنتظر تلك اللحظة التي تعود فيها عدن بثوبها الأزرق، وضحكتها القديمة، ومقاهيها المضيئة، وناسها الذين يشبهون البحر صفاء واتساعا. حتما ستعود… لأن المدن التي بُنيت من الحب لا تسقط، ولأن الفاتنات الحقيقيات لا يسرق الزمن بريقهن…. ومازال في القلب متسع لكل هذا الحنين، ومازالت الروح كلما ذُكرت عدن ترتجف كعاشق يرى محبوبته بعد غياب طويل…… عدن حلم أجيال ، ووجع عاشق، ووعد جميل بأن القادم، مهما تأخر، سيكون أجمل……



