ليست أزمة الجنوب في عدالة قضيته.. بل في عقليات الإدارة

كتب / د. عمار راشددجران العمري
مقدمة: أين تكمن الأزمة الحقيقية؟
برأيي المتواضع، أن أزمة الجنوب الحقيقية لا تكمن في عدالة قضيته الوطنية، ولا في المظلوميات التي عانى منها أبناؤه، بل تكمن في طبيعة العقليات التي تصدرت إدارة المشهد خلال السنوات الماضية، وما زالت تدير جزءاً كبيراً من واقعه اليوم بعقلية لم تستوعب تحولات المرحلة ومتغيراتها.
أنا أرى أن هناك عقليات أتقنت صناعة الخصومات أكثر من بناء الشراكات، ووزّعت الوطنية وفق حسابات المصالح والولاءات الضيقة. كما لاحظت وجود عقليات أخرى ظلت تعلق قرارها بالخارج دون قراءة ناضجة لتعقيدات الإقليم ومصالح قضيتنا. وهناك أيضاً من يمتلك تاريخاً نضالياً لكنه لا يزال يتعامل بعقلية ثورية فردية، في وقت أصبحت فيه السياسة تُدار بمنطق مختلف قائم على الشراكة وإدارة المصالح وفهم التحولات الكبرى.
من وجهة نظري، القضايا العادلة لا تنتصر بالشعارات وحدها، بل بعقول قادرة على مواكبة اللحظة.
نموذج مختلف وسط المشهد
ومع ذلك، لا يمكنني أن أعمم هذه الصورة القاتمة على كل من يشتغل في الساحة الجنوبية. فبالنظر عن كثب إلى التجارب القائمة، أجد أن هناك نموذجاً واحداً على الأقل خرج عن هذا السياق وأثبت جدارته، وهو ما دفعني للتعمق أكثر في تحليله.
*سرعة التعافي واختبار الواقع*
أتابع منذ سنوات ما يحدث في الساحة الجنوبية، وأستطيع أن أقول بثقة إن المجلس الانتقالي نجح بشكل لافت في عبور المرحلة الأكثر حرجاً في تاريخه. وأفسر ذلك بأنه تعامل مع نفسه باعتباره كياناً وطنياً انتقالياً يحمل قضية الجنوب، وليس حزب سلطة شمولياً، كما أنه لم يكن مثل التنظيمات الحركية المؤدلجة التي تتمدد وتتلاشى وفق الظروف.
ورغم حداثة نشأته وخبرته السياسية، ورغم أحداث يناير والضغوط العسكرية والسياسية والإعلامية التي تلتها، إلا أنه خرج أكثر تماسكاً. هذا يؤكد لي – وأعتقد أنه يؤكد لكل مراقب – أنه يمتلك قاعدة جماهيرية صلبة هي الأوسع على الإطلاق، وأنه بدا قوياً شعبياً خارج السلطة أكثر مما كان عليه شريكاً فيها.
أستنتج من ذلك أن الساحة الجنوبية، بعد تجارب مريرة، لم تعد بيئة مهيأة لفوضى المكونات الصغيرة أو التشكيلات الظرفية. كما أدرك أن بقاء الانتقالي قوياً ومتماسكاً يمثل مصلحة حيوية، حتى خصومه يعرفون ذلك، لأن أي فراغ قد يتحول إلى فرصة لقوى تحمل مشاريع متطرفة.
لكن الطريق لا يزال طويلاً
غير أنني لا أريد أن ينخدع القارئ: تجاوز مرحلة الخطر لا يعني انتهاء التحديات. بل على العكس، أعتقد أنها بداية مرحلة شاقة تتطلب مراجعة شاملة وعميقة، رغم قصر عمر التجربة. فالمطلوب اليوم في رأيي ليس الاكتفاء بالنجاة والتعافي السريع، بل الانتقال إلى بناء أكثر نضجاً واتساعاً.
أدعو تحديداً إلى:
· تصحيح الاختلالات التي أرصدها في بعض الأداء
· إعادة تقييم الأداء المؤسسي والسياسي
· بناء هياكل تنظيمية تعكس الطيف الجنوبي بكل تنوعاته
كما أؤمن بأن المرحلة الحالية تختلف جذرياً عن السنوات التي سبقت يناير. المشهدان الإقليمي والمحلي تغيرا، والتحالفات ليست ثابتة، والمزاج الشعبي أكثر حساسية تجاه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. لذلك، أي مشروع سياسي لا يستطيع قراءة هذه التحولات سيجد نفسه معزولاً تدريجياً مهما كانت شعبيته.
ومن هنا أرى ضرورة ملحة لتضييق فجوات التباين مع رفاق الأمس، ومد الجسور مع القوى الجنوبية الأخرى، والتعامل بمرونة سياسية أعلى مع المختلفين. لأن استنزاف البيئة الجنوبية بالخلافات البينية لن يخدم سوى القوى التي تراهن على تفكيك الجنوب.
كلمة أخيرة عن الخطاب
أختم بدعوة عملية: يجب تطوير الخطاب الإعلامي والسياسي ليصبح أكثر هدوءاً وواقعية، وأقل اندفاعاً نحو الاستقطاب الحاد. نحن بحاجة إلى خطاب جامع، وليس خطاب تعبئة دائمة وتقسيم. كما ينبغي الانتقال من ردود الأفعال إلى دراسة الأوضاع بعمق، وفرز المهام المرحلية، وفتح الأبواب أمام النخب السياسية والأكاديمية والاجتماعية لبناء تكتل جنوبي واسع.
في النهاية، قناعتي الراسخة أن القضية الجنوبية لن تنتصر بعقول تعيش في الماضي، ولا بشعارات تملأ الفضاء، بل بوعي يستوعب تعقيدات اللحظة، وبشراكات حقيقية، وبخطاب يجمع ولا يفرق. هذا هو الطريق الوحيد لتحقيق تطلعات أبناء الجنوب.



