إرث يافع الحميري: بين أصالة الهوية وحسابات الاستقطاب السياسي

كتب/ د. عمار راشد العمري

تترقب الأوساط الثقافية والقبلية في يافع، وبعموم الوطن، في هذه الأيام القليلة القادمة انطلاق إحدى أهم الفعاليات السنوية المتمثلة في “مهرجان الموروث الشعبي اليافعي”؛ هذا الحدث الذي ظل لعقودٍ طويلة حارساً أميناً للهوية، ونافذةً تطل منها الأجيال على أمجاد الأجداد، بما يزخر به من مبارزات شعرية تُهزّ لها المنابر، ورقصات “البرع” التي تجسد العزة والشهامة، وتفاصيل فلكلورية تختزل تاريخاً ضارباً في الجذور.

إلا أن هذا الإرث الغني بات اليوم يقف عند منعطفٍ حرج، إذ نجد أنفسنا لسنا أمام تدشين فعاليات احتفالية عابرة فحسب، بل أمام اختبار حقي وحاسم لوعي المجتمع اليافعي وقبائله ونخبه؛ لا سيما وأن المهرجان قد تحوّل في سنواته السابقة إلى منصة للتعبئة الشعبية والاستقطاب السياسي، في محاولة واضحة لتوظيف الثقل القبلي، وارتهان المواقف التاريخية لقبائل يافع الحميرية؛ الذين عُرفوا تاريخياً وحاضراً بأنهم أشدّ القبائل الجنوبية بأساً وأكثرها تضحيةً بالمال والرجال، امتداداً لإرثهم الأصيل الذي شهد له الرسول ﷺ بالبسالة والأمانة.

وفي ظل التنافس المحموم الذي نشهده اليوم على زعامة وتوجيه المشروع الجنوبي، يبرز المسعى الحثيث لاستثمار هذا الموروث الجامع وجعله ورقة في مسار التجاذبات الراهنة، الأمر الذي يفرض علينا سؤالاً محورياً حاسماً: هل سيسترد المهرجان نقاءه ليجمع الشمل تحت راية الهوية والتاريخ؟ أم سيسقط مجدداً في فخ التبعية ليكون مجرد أداة بروباغندا يديرها تنظيم سياسي يبحث عن شرعية جماهيرية على حساب تزييف الموروث وتجييره لصالح أجندات ضيقة؟

ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على الموروث الشعبي ونقائه من دنس التسييس والشعارات الحزبية يعدّ مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الجميع، وفي مقدمتهم الرموز المجتمعية والقبلية؛ فالهوية الثقافية مِلكٌ للأجيال وليست غنيمة للمكونات، ولن نسمح أبداً بأن يغدو هذا التاريخ الأصيل المتوارث عن الأجداد مجرد ورقة في مهب الصراعات وأتون المصالح السياسية العابرة.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى