البروفيسور عبد الواحد الوكيل: سيمفونية الطين والروح

✍️*أ.د مهدي دبان
في قلب القاهرة، حيث تهمس الحجارة العتيقة بأسرار الماضي، وُلد عام 1943 طفل كُتب له أن يكون الحارس الأمين لهويتنا الأصيلة؛ إنه البروفيسور عبد الواحد الوكيل، أحد أبرز المعماريين العرب المعاصرين الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه من أهم رواد العمارة الإسلامية الحديثة. تخرج هذا العبقري في جامعة عين شمس، وبدأ رحلته محاضرا في قسم العمارة، لكن روحه الوثابة قادته نحو الممارسة المهنية ليعيد تشكيل وجه المكان. تأثر الوكيل كثيرا بالمعماري المصري الشهير حسن فتحي، الذي كان له دور كبير في تشكيل فلسفته المعمارية لترتكز على دعوة شغوفة للعودة إلى روح العمارة الإسلامية التقليدية، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة دون فقدان الهوية. وما يميز عبد الواحد الوكيل حقاً أنه لم ينظر إلى العمارة الإسلامية كزخارف وأشكال هندسية صماء فقط، بل كفلسفة متكاملة تعزف لحنا يجمع بين الجمال والوظيفة والهوية والثقافة، مطلقاً حكمته العميقة التي تلخص صراعه النبيل: “التخلي عن التراث وتجاهل إنجازات الماضي يجعل الإنسان عاجزا عن التعامل مع الجديد.”
لقد تجسدت هذه الرؤية الدرامية الخلابة في إبداعاته التي تنبض بالحياة، حيث اعتمد في كثير من مشاريعه على تطويع المواد المحلية لترتفع القباب الحانية، وتتمدد الأقبية، وتتنفس الأفنية الداخلية هواء نقيا يعكس أقصى درجات الاهتمام بالاستدامة والانسجام مع المناخ والبيئة. وحين تقف بخشوع أمام أشهر أعماله دون تدخل الخرسانة المميتة، كمسجد قباء المهيب في المدينة المنورة، ومسجد القبلتين الشاهد على التاريخ، ومسجد الملك سعود الذي يتوج جدة كأحد أكبر وأجمل مساجدها، فضلاً عن عدد كبير من المساجد والقصور والمباني العامة في السعودية ودول أخرى، تدرك تماماً لماذا يُعد أحد أهم من أعادوا إحياء العمارة الإسلامية في العصر الحديث. ولم يكن غريبا أن ينحني العالم إجلالًا لجهوده؛ فقد حصد العديد من الجوائز العالمية المرموقة، أبرزها جائزة الآغا خان للعمارة مرتين (1980 و1989)، وجائزة ريتشارد دريهاوس للعمارة الكلاسيكية عام 2009، وجائزة آرثر روس للتميز في العمارة الكلاسيكية عام 2024، ليتوج مسيرته العظيمة بجائزة تمايُز للإنجاز المعماري مدى الحياة عام 2025، تاركاً إرثاً يخبر الأجيال القادمة أن المعمار ليس مجرد جدران تُبنى، بل روح تُبعث من جديد.








