الألفاظ المركبة الإيقاعية في اللهجة الشبوانية

كتب: علي صالح باعوضة

تمتاز اللهجات المحلية بثراء لغوي كبير يتجاوز حدود المفردات والتراكيب المألوفة، إذ تحوي صيغ تعبيرية شعبية خاصة تشكّل جزءاً هاماً من الذاكرة الشفوية للناس، وقد عرف اللغويون العرب القدماء جانباً من هذه الظاهرة تحت مسمى “الإتباع”، وهو أن تُتبع كلمة بأخرى تشابهها في الوزن أو الجرس لتأكيد المعنى، أو تجميل اللفظ. وتُعد هذه الظاهرة من الخصائص التعبيرية التي أولتها العربية القديمة اهتماماً ملحوظاً، وتواجُد هذه الصيغ في اللهجات المحلية الشعبية دليل حي على امتداد هذه الظاهرة المميزة التي يمكن تسميتها أيضاً “بالتراكيب الصوتية المزدوجة” أو “الألفاظ المركبة الإيقاعية”، وهي تعبيرات تتكون غالباً من مفردتين متقاربتين في الوزن أو الجرس الموسيقي، وتُستخدم للدلالة على معنى محدد أو حالة معينة، وقد عرفنا في اللغة العربية بعض تلك التراكيب التي منها على سبيل المثال لا الحصر:

“حيص بيص”

“شذر مذر”

“بين بين”

“سين جيم”

“خبط عشواء”

“شدّ وجذب”

“قيل وقال”

“كرّ وفرّ”

وغيرها من التراكيب والتعابير الزاخرة بها لغتنا العربية التي لا تضاهي جمالها، وعمقها، وثراءها، ودهشتها، وعبقريتها لغة في الوجود.

 

وهذه بعض ما أمكنني استحضارها وحصرها من التراكيب والتعابير المستخدمة في اللهجة الشبوانية، وربما تستخدم أيضاً في لهجات محلية أخرى:

“سنين ومنين” ( يقولها من يشعر بمرور زمن طويل وهو على حال أو وضع معين).

“تيري بيري” ( يرجّح أنها غير عربية، ويقصد بها صناعة مقلدة مزورة أو غير جيدة، وتقال للعمل الغير مُتقن الذي لا يكون كما ينبغي).

“خرّ مرّ” ( تقال لمن يكثر التردد ذهاباً وإياباً على مكان ما).

“سردة مردة” ( من التراكيب المتعلقة بفعل حركي أيضاً، وتقريبا تقال لمن يذهب ويآتي بشكل متكرر وبطريقة تميل للخفاء وعدم إثارة الضجة).

“حنّة ورنّة” ( تقال للمناسبات التي تتم كما ينبغي، ويحدث فيها ضخب وضجيج مقترن بإظهار الفرح وغالباً ما تقال عن الزواجات).

“صُبّه رُدّه” ( يقولها من يتوقع فعلا مغايرا أو تعاملا مختلفا من شخص يصرّ على تكرار نفس الفعل والأسلوب ليصل إلى نفس المآل والمصير).

“خرطل برطل” ( تقال في الشخص الذي يفقد قيمته في المجتمع، والذي لا يمكن الاعتماد عليه).

“شيط ميط” ( تقال لمن يقوم بحركة مستمرة، غير منتظمة، وعشوائية لا هدف منها).

 

وغيرها من التراكيب الشائعة في الخطاب اليومي، وتتميز هذه التراكيب بأنها لا تؤدي وظيفة دلالية فحسب، بل تحمل أيضاً قيمة صوتية وإيقاعية تجعلها أكثر رسوخاً في الذاكرة، وأسهل تداولاً بين أفراد المجتمع. كما أنها تعكس جانباً من الذائقة اللغوية الشعبية التي تميل إلى الإيجاز والتكثيف والتصوير، فتختصر حالات نفسية، أو اجتماعية، أو سلوكية كاملة في مفردتين متجانستين صوتياً. مفردتين بينهما تقارب صوتي واضح، سواء من خلال تشابه الحروف، أو الوزن، أو القافية الداخلية. وغالباً ما يكون المعنى ناتجاً عن التركيب كله، لا عن المفردتين منفصلتين. ففي بعض الحالات تكون الكلمتان ذواتي معنى مستقل، كما في “حيص بيص”، وفي حالات أخرى تكون الكلمة الثانية تابعة للأولى من أجل تحقيق الإيقاع الصوتي، أو تقوية الدلالة.

 

ومن المهم الإشارة إلى أن هذه التراكيب تضطلع بأدوار اجتماعية وثقافية متعددة، فهي تُستخدم للتعبير عن الحيرة والاضطراب، أو الفوضى، أو الإستياء، أو الاحباط، أو قطع الأمل، أو اللّامعنى، أو الكثرة، أو التحقير، أو السخرية، أو المبالغة في وصف حالة معينة. كما أنها تسهم في إضفاء الحيوية على الخطاب الشعبي، وتمنح المتحدث قدرة أكبر على التأثير والإيحاء، فعندما تسمع أحدهم يقول “لبّط حَسوس”، فإن هذا التعبير ينقل صورة كاملة عن الاستياء والإحباط من شخص لا يستوعب ولا يدرك مهما حاولت أن تشرح له مراراً وتكراراً، والمُستاء يشابه في حالته هذه حالة من يحاول أن يجعل للحَسوس”رمال الأودية” شكلاً أو قالباً ويخفق لأن طبيعة وخصائص ذلك الرمل الخفيف لا تسمح بحدوث ما يرجو، وهي صورة قد تحتاج إلى جملة طويلة لو أريد التعبير عنها بلغة مباشرة.

 

تستحق هذه الظاهرة أن توثّق بعد بحث ودراسة أعمق وأشمل لفهم خصائص اللهجات المحلية، وللكشف عن مسارات التطور اللغوي، وطرائق تشكل المعنى في الوجدان الشعبي، لما تحمله تلك التراكيب والتعابير من دلالات على حيوية اللهجات المحلية، وثراء الموروث الشعبي، ولكونها جزءاً مهماً من التراث الشفهي الذي تتناقله الأجيال دون تدوين في كثير من الأحيان.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى