أساليب السرد في (ألف ليلة وليلة) وتوظيفها في الأدب السردي الفرنسي في القرن الثامن عشر

قراءة في أطروحة الدكتور مسعود عمشوش

 

 

الصادق بن كولا

أستاذ النقد والأدب المقارن – جامعة قسنطينة الجزائر

 

 

تمهيد

حين كتب فولتير سنة 1734 أنّ “ألف ليلة وليلة من أشهر الكتب في أوروبا”، لم يكن يبالغ؛ فمنذ صدور الترجمة الفرنسية الأولى التي أنجزها أنطوان غالان بين عامي 1704 و1717، لم تتوقّف “الليالي” عن إبهار العالم، حتى غدت واحدة من النصوص النادرة التي بلغت العالمية بحقّ. غير أنّ ما يستوقف الباحث الجادّ ليس هذا الانتشار في ذاته، بل ما رافقه من ظاهرة أعمق: فقد أطلقت الترجمة الفرنسية الأولى موجة هائلة من التأليف؛ إذ صدر بين 1710 و1750 ما يزيد على أربعمئة عمل “شبه شرقيّ” في فرنسا، حتى حق لبول بيير مارتينو القول بإنّ “انتصار ألف ليلة وليلة تحقّق بالمحاكاة والتقليد والاستكمال بقدر ما تحقّق بالعمل نفسه”.

 

في هذا السياق جاءت أطروحة الدكتوراه التي أعدّها الباحث الحضرمي مسعود عمشوش ونوقشت في جامعة السوربون الجديدة (باريس الثالثة) سنة 1988 تحت إشراف الأستاذ جان جيليه، وعنوانها: “توظيف أساليب السرد في ألف ليلة وليلة الأدب الفرنسي السردي في القرن الثامن عشر).

 

ويهدف هذا البحث التقديميّ إلى وضع طلبتنا والقارئ العربيّ أمام محتوى هذه الأطروحة، وتقريب منهجها وأطروحتها المركزية ونتائجها، لما تنطوي عليه من أهمية مزدوجة: أهمية موضوعها الذي يمسّ صلة الأدب العربيّ بالآداب الأوروبية، وأهمية منهجها الذي يجمع بين الأدب المقارن والسرديّات الحديثة.

 

أولاً: إشكالية الأطروحة وحدودها المعرفية

 

ينطلق عمشوش من ملاحظة نقدية دقيقة مفادها أنّه، على الرغم من كثرة الدراسات التي تناولت “ألف ليلة وليلة” وأشارت دوماً إلى تأثيرها الكبير في الأدب الفرنسي، فإنّه لم يجد دراسة معمّقة واحدة كرّست لفحص الآثار التي تركتها “الليالي” فعلياً في النسيج النصّي للأدب الفرنسي. حتى الدراسة الممتازة التي أنجزتها ماري-لويز دوفرينوا حول الشرق الروائي في فرنسا لم تسدّ هذا النقص إلا جزئياً، لأنّها اكتفت في الغالب بالتحليل الكمّي الإحصائيّ للأعمال شبه الشرقية.

 

من هنا حدّد الباحث إشكاليته بوضوح: لا يعنيه قياس اتّساع الموضة الشرقية في فرنسا، بل تحديد الطبيعة الدقيقة للعلاقات القائمة بين “ألف ليلة وليلة” والأدب الفرنسي. وينبني عمله على فرضية جوهرية: أنّ “الليالي” إنّما نالت نجاحها الكبير لدى القرّاء الفرنسيين بفضل أساليبها السردية في المقام الأول، وأنّ العودة إلى النصوص نفسها هي السبيل الوحيد لاقتفاء آثار “الليالي” في الأدب الفرنسي.

 

المدوّنة المختارة (Corpus)

 

اختار عمشوش خمسة نصوص يقابل بينها وبين “ألف ليلة وليلة” بترجمة غالان (وهي نصّه المرجعيّ)، وهذه النصوص هي:

 

– زاديغ أو القَدَر (1748) لفولتير.

. ألف يوم ويوم (1710–1712) لفرانسوا بيتيس دي لاكروا.

. ألف مساء ومساء (1733) لتوماس-سيمون غويلِّيت.

مذكّرات الآنسة بونتان أو الكونتيسة دو مارلو (1738) لغويلِّيت أيضاً.

 

وقد انتقى هذه النصوص بعناية منهجية لافتة: فالنصّان الأوّلان (بيتيس وغويلِّيت) اختيرا لأنّ مؤلّفَيهما استعملا قصداً الأساليب السردية ذاتها التي ظنّاها السبب الحقيقيّ في نجاح “الليالي”؛ أمّا مذكّرات الآنسة بونتان فأُدرجت لإبراز تطوّر هذه الأساليب نحو شكل الرواية؛ في حين أُدرج زاديغ لتتبّع استمرارية توظيف أساليب “الليالي” وتحوّلها في أدب فولتير الفلسفيّ.

 

المنهج

 

يصرّح الباحث بأنّه حاول التوفيق بين المنهج المقارن ومناهج السرديّات الحديثة، دون أن يُخضع مدوّنته لشبكة نظرية مسبّقة جامدة. فهو يُخضع السرديّة البنيوية (كما صاغها رولان بارت وجيرار جينيت) لطبيعة المدوّنة نفسها، لا العكس. وهذا اختيار منهجيّ ناضج يحفظ للنصوص خصوصيّتها ويتجنّب التعسّف الذي وقعت فيه بعض الدراسات البنيوية المتشدّدة.

 

ثانياً: بنية الأطروحة وأقسامها الثلاثة

 

تنتظم الأطروحة في ثلاثة أقسام كبرى، تتدرّج من الأكثر ظهوراً في النصّ إلى الأقلّ ظهوراً، وفق منهج يصفه الباحث بأنّه “انطلاق من المرئيّ للوصول إلى ما هو أقلّ مرئيّةً”.

 

القسم الأول: الحكاية داخل الحكاية (Le récit dans le récit)

 

يخصّص الباحث هذا القسم لأبرز أسلوب سرديّ في “الليالي”، وهو تضمين حكاية أو حكايات داخل حكاية أخرى. ويُجري تمييزاً اصطلاحياً دقيقاً بين شكلين من هذا الأسلوب بحسب وظيفة الحكاية التابعة:

 

– التأطير (l’encadrement): حين تُجمع مجموعة من الحكايات داخل “حكاية-إطار”، كما في إطار شهرزاد. وهنا يبيّن الباحث كيف أنّ “حكاية شهرزاد” غدت النموذج المثاليّ للحكاية-الإطار في الوعي الأدبيّ الأوروبيّ. والأهمّ أنّه يُظهر الفارق الجوهريّ بين النموذج الإيطاليّ (نموذج بوكاتشيو في *الديكاميرون*، حيث تُروى الحكايات لمجرّد التسلية) ونموذج “الليالي”، حيث تنشأ **علاقة دراميّة** بين الإطار والحكايات المؤطَّرة؛ فبقاء شهرزاد على قيد الحياة معلّق بالسرد نفسه. وهذا ما يفسّر، في رأي عمشوش، لماذا هجر كتّاب القرن الثامن عشر الفرنسيّون النموذج البوكاتشيّ وآثروا نموذج “الليالي” لتعزيز وحدة مجاميعهم.

 

– التضمين (l’enchâssement): حين يتنازل السارد مؤقّتاً عن الكلام لإحدى شخصياته لتقديم تفسير أو معلومة. ويميّز الباحث هنا بين تضمين **تفسيريّ** (يحلّ لغزاً، كما في حكاية الصيّاد والمدينة المسحورة) وتضمين **إخباريّ** (يقدّم معلومة ضرورية لفهم الحكاية).

 

ويُختتم هذا القسم بنتيجة لافتة: أنّ التضمين في الرواية الباروكية في القرن السابع عشر لم يكن يخدم إلا تضخيم حجم الرواية (يستشهد بأنّ نصف صفحات *الأسترية* الخمسة آلاف وخمسمئة محتلّة بهذه “الأدراج”)، بينما يخدم التضمين في مدوّنة عمشوش غايةً وظيفية حقيقية.

 

القسم الثاني: التلفّظات (Les énonciations): المؤلّف، القارئ وقرينُهما

 

ينتقل الباحث في هذا القسم من بنية النصّ الداخلية إلى عمليّات التلفّظ التي تنتجها، مستثمراً مقولة بارت الشهيرة: “السرد عُملة تبادُل، موضوع تعاقُد، رهان اقتصاديّ”. ويتبع تمييز جينيت بين المستويات: الكيانات السردية الداخلية (السارد والمسرود له داخل النصّ)، والكيانات السردية الخارجية، والكيانات الأدبية (المؤلّف والقارئ الواقعيّان).

 

ومن أبدع ما في هذا القسم تحليله لوضع شهرزاد بوصفها سارِدةً في موقع سفلية إزاء شهريار؛ فهي لا تستطيع أن تفرض شرطاً، بل تجعل من السرد ذاته “عملة مبادلة” تشتري بها كلّ ليلة مُهلةً جديدة. وينتهي الباحث إلى أنّ “ألف ليلة وليلة” هي، قبل كلّ شيء، “إعادة اعتبار للسرد” (transvalorisation de la narration)، مستنداً إلى قول الناقدة م. إ. غيرهارت بأنّها “ليست كتاب حكايات فحسب، بل كتاب عن فنّ الحكي”.

 

وفي هذا القسم أيضاً يخصّص الباحث صفحات بالغة الأهمية لدور المترجِم بوصفه كياناً أدبياً ثالثاً يتوسّط بين “مؤلّف الليالي” وقارئها الفرنسيّ. ويُنصِف غالان من تهمة التصرّف، مبيّناً أنّ مفهوم الترجمة في عصره كان يقتضي إخضاع النصّ المترجَم لذوق “البلد المستورِد”، فما يُحسب على غالان من حذف أو إضافة أو تفسير إنّما يعكس عُرف الترجمة الكلاسيكيّة لا خيانةً للأصل. بل إنّ هذه الأساليب التيسيرية التي لجأ إليها غالان — من إبدالٍ وشرحٍ وتحويلٍ واستعمال التعريف بدل المصطلح المجهول — هي ذاتها التي ضمنت لـ”الليالي” نجاحها لدى الجمهور الفرنسيّ العريض. وهنا يقدّم عمشوش تحليلاً طريفاً للمثال الشهير الذي عابه خصوم غالان عليه، وهو ترجمته “حبّ الرمّان المحلّى” بعبارة “فطيرة القشدة” (tarte à la crème)، ليخلص إلى أنّ مثل هذا الإبدال لا يَنقص من قيمة الترجمة شيئاً، بل هو من صميم عمل المترجم الذي يسدّ الفجوة الثقافية بين عالَمَي المُرسِل والمتلقّي.

 

ولعلّ من أطرف ما يكشفه الباحث في هذا القسم تلك الموازاة العميقة التي أقامها القرّاء الفرنسيّون الأوائل أنفسهم بين غالان وشهرزاد: فقد كان المترجِم يُعير مخطوطات الأجزاء غير المنشورة لقارئاته من سيّدات الصالونات — كدوقة بورغونيا ومركيزة “أو” — اللواتي كنّ، مثل شهريار، “متلهّفات لمعرفة البقية”. بل تروي حكاية شهيرة أنّ جماعة من القرّاء المرحين جاؤوا فجر ليلة شتائية ليوقظوا غالان مردّدين تحت نافذته صيغة دينارزاد: “يا سيّد غالان، إن لم تكن نائماً، نتوسّل إليك أن تروي لنا إحدى تلك الحكايات التي تعرفها!” وهكذا غدا المترجِم نفسه شهرزاد القرن الثامن عشر.

 

القسم الثالث: المُنجَزات (Les énoncés): المرونة السردية

 

يخصّص الباحث القسم الأخير لِما سمّاه **”المرونة السردية” (la flexibilité narrative)، وهي قدرة السارد في “الليالي” على إخضاع بنية حكايته للغاية التي يبتغيها، بخلاف الانتظام “الزمنيّ-المنطقيّ” الصارم الذي يحكم الحكاية العجيبة الكلاسيكية. وينطلق هنا من مساءلة نقدية جريئة للنموذج الذي وضعه فلاديمير بروب في مورفولوجيا الحكاية، مبيّناً أنّ حكايات مدوّنته تنحرف عن هذا النموذج وتقف على طرفي نقيض من تعريف ستيث طومسون للحكاية الخرافية.

 

ويرصد الباحث في هذا القسم ثلاث ظواهر كبرى:

 

1. تشويه المتتالية السردية (la mutilation de la séquence): حيث يقطع السارد عمداً أحد عناصر المتتالية — وغالباً عنصر إعادة التوازن النهائيّ — ليبرهن على فكرة أو يقنع المسرود له بأطروحة، كما في الحكايات التي تنتهي عند سُلطُمَّة في *ألف يوم ويوم* بحالة اختلال لا إصلاح بعدها.

 

2. تضخيم الحكاية (l’amplification du conte): سواء على مستوى المتتالية (بتكرار وظيفة أو ثنائيّ وظائف وفق مبدأ التدرّج)، أو على مستوى الحكاية الكبرى (بمضاعفة عدد المتتاليات وتسلسلها). ويحلّل الباحث ببراعة كيف يترك السارد دوماً في كلّ متتالية غير ختامية “بذرة اختلال” تُطلِق المتتالية التالية، كما في حكايتَي علاء الدين والسندباد، حيث تتراءى من خلال البنية المتتالية **هشاشة الشرط الإنسانيّ وتقلّبات القَدَر.

 

3. نحو إقصاء العجائبيّ (vers l’élimination du merveilleux): وهي من أخصب فصول الأطروحة. إذ يبيّن الباحث أنّ كتّاب القرن الثامن عشر، تحت ضغط الطموح العقلانيّ لعصر الأنوار، سعَوا إلى تقليص العنصر العجائبيّ الخالص واستبداله بنوعين جديدين:

 

– العجائبيّ الغرائبيّ (le merveilleux exotique): القائم على التضخيم والمبالغة في وصف الكائنات والظواهر “الواقعية” حتى تبلغ حجماً خارقاً (طائر الرُّخّ، الثعابين العملاقة، القصور الفخمة)، وغايته البحث عن “اللون المحلّي” والإبهار.

 

– العجائبيّ العلميّ (le merveilleux scientifique):* القائم على عقلنة الخارق وتقديمه بوصفه ثمرة المهارة الإنسانية لا قوة سحرية؛ فيُستبدَل بالجنّيّ “روبوتات” العالِم ابن سينا، ويُستبدَل بالبساط السحريّ “صندوق طائر” يفسّر مخترعُه حركته بقوانين الميكانيكا، ويتنبّأ السلطان بكسوف الشمس بفضل علم الفلك لا بالنبوءة. وهنا يربط الباحث، بحقّ، بين هذا “العجائبيّ العلميّ” وما يسمّيه اليوم تودوروف “الخيال العلميّ”.

 

ويُتوَّج هذا القسم بفصل عن **مضاعفة القرائن (la multiplication des indices) والسرد بضمير المتكلّم، اللذين يجذّران الحكايات في العالم “الواقعيّ”، ويبعدانها عن الحكاية العجيبة المجهولة الزمان والمكان، فيغدو فضاؤها بغداد والبصرة ودمشق والقاهرة في عصور محدّدة قابلة للتعرّف عليها على الخريطة.

 

ثالثاً: النتائج والخلاصات الكبرى

 

تنتهي الأطروحة إلى جملة من النتائج المركزية يمكن إجمالها فيما يأتي:

 

أولاً: أنّ الموجة الأولى لـ”ألف ليلة وليلة” في فرنسا لم تتجلَّ في نجاح الكتاب لدى القرّاء فحسب، بل تجلّت — على نحو أعمق — في الدفع القويّ الذي منحته ترجمة غالان للأدب السرديّ في عصره بأكمله.

 

ثانياً: أنّ كتّاباً مثل بيتيس دي لاكروا وغويلِّيت وظّفوا أساليب “الليالي” على نحو واعٍ ومنهجيّ، حتى صحّ عدّ ألف يوم ويوم وألف مساء ومساء محاكاتين للمجموعة العربية. ويرى الباحث أنّ خير دليل على قيمة “الليالي” بوصفها نموذجاً يكمن في الجهد الذي بذله هؤلاء الكتّاب للاقتراب منها.

 

ثالثاً: أنّ هذه المحاكاة كانت محاكاة غير مباشرة؛ فلم يسعَ أيّ من المؤلّفَين إلى استنساخ “الليالي” حرفياً، بل أدخل عليها من التحويرات ما جعل كلّاً منهما يبتعد عن نموذجه. فبيتيس عزّز وحدة مجموعته بإيجاد وحدة مضوعية، وغويلِّيت سعى إلى تقريب كتابَيه الأخيرين من رواية العصر، فاقتربت مذكّرات الآنسة بونتان من بنية الفرنسيّات الشهيرات لروبير شال ومن حياة ماريان لمارِيفو.

 

رابعاً: أنّ المحاكاة بلغت أحياناً حدّ النقد والمعارضة الساخرة، كما في الكبش لهاملتون الذي زعم أنّه قادر على إنهاء موضة الحكايات العربية بمحاكاتها الساخرة، وكما في ألف حماقة وحماقة لكازوت.

 

خامساً: أنّ البنية السردية لـزاديغ لفولتير مستوحاة من “ألف ليلة وليلة”؛ وقد ألقى المنهج المقارن ضوءاً جديداً على هذا “الحكاية الفلسفية”، مبيّناً أنّ معناها الفلسفيّ ينبثق بوضوح أكبر عبر بنيتها المتتالية التي تبدو، خلافاً لقراءة سطحية، محكمة التنظيم متّسقة مع رؤية لايبنتس في النظام العنائيّ للكون.

 

سادساً: وهي نتيجة منهجية ذات طابع نظريّ عامّ — أنّ حكايات المدوّنة، وإن كانت حكايات بحقّ، فإنّها ليست حكايات عجيبة (contes merveilleux) البتّة؛ بل تنتمي إلى فئة أصيلة يتجاور فيها الواقعيّ والعجائبيّ جنباً إلى جنب، فئة لا يمكن ردّها إلى أيّ من تصنيفات “الحكايات بالمعنى الدقيق” في فهرس آرني-طومسون الدوليّ، وهي تعكس على الأرجح إحدى مراحل تطوّر الحكاية نحو الرواية.

 

رابعاً: في القيمة العلمية للأطروحة

 

تنطوي هذه الأطروحة، في تقديرنا، على قيمة مزدوجة:

 

أمّا على المستوى المنهجيّ، فإنّها تقدّم نموذجاً ناضجاً للتوفيق بين الأدب المقارن — في صيغته التي تعنى بالعلاقات النصّية الفعلية لا بالمعطيات التاريخية الخارجية وحدها — وبين أدوات السرديّات البنيوية (جينيت، بارت، بروب، بريمون). وقد أحسن الباحث حين رفض إخضاع مدوّنته لشبكة نظرية جاهزة، وآثر أن يستنبط أدواته من طبيعة النصوص ذاتها.

 

وأمّا على المستوى المعرفيّ، فإنّها تسدّ ثغرة حقيقية في الدراسات؛ إذ كانت — حتى تاريخ إنجازها — أوّل عمل معمّق يفحص الآثار السردية الملموسة لـ”الليالي” في النسيج النصّي للأدب الفرنسيّ، بدل الاكتفاء بالإشارات العامة إلى “التأثير”. كما أنّها سلّطت الضوء على نصوص نادراً ما حظيت بعناية الباحثين، ولا سيّما أعمال غويلِّيت التي لم تكن قد كُرّست لها سوى دراسة جامعية واحدة آنذاك.

 

ولا يفوتنا، نحن القرّاء العرب، أن نلتفت إلى بُعدٍ ضمنيّ بالغ الدلالة تنطوي عليه هذه الأطروحة، وهو ما يكشفه الباحث في الفصل الذي خصّصه لـ”المؤلّف الأصليّ والقرّاء العرب لألف ليلة وليلة” من القسم الثالث. فقد توقّف عمشوش عند مفارقة مؤلمة: أنّ “الليالي”، وقد بلغت العالمية وأطلقت في الغرب موجةً هائلة من التأليف، ظلّت طويلاً محجوبةً غير مرئيّة في بلدها الأصليّ. ويعزو الباحث هذا الحجب إلى انتماء الكتاب إلى جنسٍ أدبيّ بعينه: الأدب “الشعبيّ” المكتوب بلغة “عامّية” قريبة من المحكيّ في الشام ومصر زمن المماليك، وهو أدب نظرت إليه الثقافة العالِمة بازدراء.

 

ويستشهد الباحث في هذا السياق بشهادة توفيق الحكيم في كتابه الإسلام والغرب، حيث يرى الأديب المصريّ أنّ الأدب الشعبيّ “لا يظهر إلا حين يكون الأدب الرسميّ في حالة قصور”، وأنّه “صرخة احتجاج على عجز الفصحاء”. وبهذا يضع عمشوش، بلباقة الباحث المتمكّن، إصبعه على إشكالية حضارية عميقة تتجاوز حدود البحث الأكاديميّ الضيّق: إشكالية علاقتنا — نحن العرب — بموروثنا السرديّ الشعبيّ الذي اضطُرّ أن يهاجر إلى الغرب ليُكتشَف ويُعتَرف بقيمته، ثم يعود إلينا محمّلاً بشرعية أوروبية. وفي هذا درسٌ بليغ لطلبتنا في كلية الآداب: أنّ بعض كنوزنا قد لا نُبصرها إلا في مرآة الآخر.

 

خامساً: ملاحظات نقدية واستدراكات

 

لا يكتمل التقديم الجادّ لأطروحةٍ ما إلا بقدرٍ من النظر النقديّ يحفظ للقراءة توازنها، ونثبت فيما يأتي بعض الملاحظات:

 

أولاً، يلاحظ القارئ أنّ الباحث اعتمد ترجمة غالان نصّاً مرجعياً لـ”ألف ليلة وليلة”، وهو اختيار منهجيّ مبرّر تماماً ما دام موضوع البحث هو أثر النصّ كما تلقّاه الفرنسيّون غير أنّ هذا الاختيار يقتضي حذراً دائماً في التمييز بين ما يعود إلى “المؤلّف الأصليّ” وما يعود إلى تصرّف المترجِم. وقد كان الباحث واعياً بهذا الحذر، بدليل تنبيهه في القسم الثاني إلى أنّ بعض ما يبدو من تحفّظ السارد إنّما هو “تحفّظ المترجِم لا السارد”. ومع ذلك يظلّ هذا التداخل بين صوت “المؤلّف الأصليّ” وصوت غالان مزلقاً يتطلّب يقظةً متّصلة في كلّ تحليل.

 

ثانياً، اعتمد الباحث في تأريخه لأصول “الليالي” على مصادر استشراقية وعربية رصينة (ابن النديم، المسعوديّ، الأب صلحانيّ، نبيهة عبّود، محسن مهديّ)، لكنّه أحجم بحكمةٍ عن الخوض في الجدل التاريخيّ حول الأصول الهندية-الفارسية، مكتفياً بالإقرار بأنّه “يستحيل اليوم التحقّق من المدى الحقيقيّ” لهذا الاقتراض. وهذا تحفّظٌ علميّ محمود، لكنّه يترك بعض الأسئلة معلّقة حول طبيعة “المؤلّف الأصليّ” الذي يفترض الباحث وجوده فناناً مبدعاً صاغ الكتاب وحدةً متكاملة.

 

ثالثاً، يبقى التمييز الحاسم الذي توصّل إليه الباحث في خاتمته — أي إخراج حكايات المدوّنة من دائرة “الحكاية العجيبة” وإدراجها في “فئة أصيلة” تجمع الواقعيّ والعجائبيّ — تمييزاً وجيهاً ومثمراً، غير أنّه يفتح باباً نظرياً واسعاً يتعلّق بمشكلة حدود الأجناس الأدبية التي يقرّ الباحث نفسه بأنّها “تظلّ اليوم عصيّة على الحلّ”. وهي مشكلة جديرة بأن تُفرَد لها دراسات مستقلّة في ضوء ما تراكم بعد هذه الأطروحة من نظريات في التداخل الأجناسيّ.

خاتمة:

 

إنّ أطروحة الدكتور مسعود عمشوش، فيما وراء موضوعها المحدّد، تطرح علينا — نحن أساتذة الأدب ودارسيه في الجامعات العربية — أكثر من سؤال نهضويّ:

 

فهي تذكّرنا، أولاً، بأنّ السرد العربيّ القديم انطوى على عبقرية بنائية لم يكتشف الغرب مداها إلا حين راح كتّابُه يحاكونها ويقلّدونها بل ويعارضونها، وأنّ هذه العبقرية تكمن أساساً في الأساليب السردية — في فنّ التأطير والتضمين، وفي جعل السرد ذاته رهاناً وجودياً تنجو به شهرزاد من الموت — لا في “العجائبيّ” الذي طالما اختُزلت إليه “الليالي” في الأذهان.

 

وهي تذكّرنا، ثانياً، بأنّ المنهج المقارن، حين يقترن بأدوات تحليل النصّ الدقيقة، يستطيع أن يكشف عن خيوطٍ خفيّة في نسيج الآداب الإنسانية، وأن يردّ الاعتبار إلى نصوصٍ هُمّشت في ثقافتها الأمّ.

 

وهي تدعونا، أخيراً، إلى أن نقرأ هذا العمل الذي أنجزه باحثٌ يمنيّ في السوربون قبل نحو أربعة عقود، لا بوصفه وثيقةً أكاديمية مُتحفية، بل بوصفه **مشروعاً مفتوحاً** يستحقّ أن يُستأنف ويُطوَّر؛ إذ ما يزال في صلة “ألف ليلة وليلة” بآداب العالم — شرقاً وغرباً — حقولٌ بكرٌ لم تُحرَث بعد. ولعلّ خير ما نختم به ما يلوح من ثنايا هذه الأطروحة من أنّ “الليالي” لم تكن، في جوهرها، مجرّد كتاب حكايات، بل كانت — كما عبّر الباحث نقلاً عن غيرهارت وبارت — كتاباً عن فنّ الحكي ذاته، ونصّاً يُعيد للسرد قيمته بوصفه فعلاً إنسانياً يواجه به الإنسان قَدَرَه.

 

ولهذا كلّه نرى في تقديم هذه الأطروحة للقارئ العربيّ واجباً علمياً وثقافياً، عسى أن تجد طريقها إلى الترجمة الكاملة والنشر، فتُسهم في إغناء مكتبتنا النقدية، وتفتح أمام طلبتنا آفاقاً جديدة في دراسة السرد العربيّ وعلاقاته بالآداب العالمية.

والله وليّ التوفيق.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى