ثلاثة عقود… وقلبي ما زال في الميناء أ.د مهدي دبان

 

ثلاثة عقود مرت، تغير خلالها الكثير؛ تبدلت الوجوه، وتعاقبت الأجيال، وترك الزمن آثاره على الملامح، لكن شيئا واحدا لم يتغير… قلبي ما زال في الميناء… هناك تركت جزءا من روحي، وهناك ولد الحلم الأول، وتشكلت أجمل الذكريات التي لم تستطع السنوات ولا المسافات ولا ظروف الحياة أن تمحوها.
أودعت ثلاثين عاما خلف ظهري، وبعد أن وهن العظم واشتعل الرأس شيبا، وبعد فراق إجباري فرضته طبيعة الحياة وإصابة غيبتني طويلا، لكن ظل قلبي معلقا بذلك الملعب الذي بدأت فيه رحلتي مع نادي الميناء، حيث كانت الأحلام أكبر من أعمارنا، والصداقة أنقى من كل شيء. عدت إليه اليوم، فإذا بكل شبر فيه يهمس باسم أو موقف أو ضحكة قديمة… حتى أرضيته التي كانت تمتلئ بـ”السبخة” والملوحة، فنعود إلى منازلنا وأحذيتنا كأننا عاملون في أحواض الملح لا لاعبو كرة قدم، بقيت جزءا من ذاكرة نعشقها لأنها شهدت ولادة أحلامنا الأولى….وكان أجمل ما في العودة أن التقيت أستاذي ومعلمي ومدربي الأول، الرجل الذي اكتشف ورعى جيلين ذهبيين من أبناء الميناء الكابتن سعيد علوان، الذي كان له الفضل، بعد الله، في صناعة أسماء خلدها تاريخ النادي، من أمثال منيف شائف، ومحمد علي، وفيصل الحاج، وخالد علي فضل، وزكريا إبراهيم، ورأفت إسكندر، ثم الجيل الآخر الذي ضم أديب سيف، ومحجوب الخطيب، وإبراهيم عوض، ووليد مهدي، وهاني محفوظ، والشيباني، وفادي عبدالعزيز، وتوفيق أذن، وأياد عثمان، و ياسر حسن وغيرهم ممن حملوا راية الميناء بكل فخر.

هناك أيقنت أن الزمن يمضي، لكنه يعجز عن انتزاع الذكريات من القلوب. فبعض الأماكن ليست مجرد ملاعب، بل أوطان صغيرة نسكنها كلما ضاقت بنا الحياة. عاودت شريط الذكريات بكل تفاصيله، واستحضرت وجوه من أحببنا، ومن تقاسمنا معهم التعب والفرح والانتصارات والهزائم، فعادت الروح إلى سنوات ظننت أنها غابت إلى الأبد. ومن القلب، أتقدم بخالص الشكر والامتنان على هذه اللفتة الكريمة والدعوة الجميلة من الأحبة عرفات الضالعي، ومروان قردع، ومروان الغلابي، والدكتور النعمي، وكل من كان وراء هذا اللقاء الذي أعاد إلينا شيئا من زمن لا يُعوض. فبعض الدعوات لا تجمع أشخاصا فحسب، بل تعيد الإنسان إلى نفسه، وتؤكد أن الوفاء هو أجمل ما يبقى حين يرحل كل شيء.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى