بين وصايةٍ تُدير الهزيمة وشرعيةٍ تُقيم في المنفى: لماذا أصبح استعادة دولة الجنوب معادلةَ الأمن الإقليمي المُستعصية على التجاوز؟

كتب : د. أمين العلياني
لم يعد خافيًا على ذي بصرٍ وبصيرةٍ أنَّ المشهد السياسي الذي يتشكَّل اليوم في الجنوب واليمن عمومًا قد بلغ مرحلةً من التعقيد والتشابك جعلت كثيرًا من المسلَّمات التي رُوِّج لها طوال السنوات الماضية تتهاوى تباعًا أمام اختبار الواقع؛ فالأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظات الجنوب، وما رافقها من استهدافٍ لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في حضرموت والمهرة، تكشف – من وجهة نظر كثيرٍ من المتابعين – عن إخفاق الرهان على التسويات التي سعت الوصاية السعودية إلى إدارتها عبر ما يُعرف بالشرعية اليمنية المقيمة خارج البلاد، تلك الشرعية التي ظلَّت عاجزةً عن استعادة الدولة أو حماية الأرض أو توحيد الصف، بينما ظلَّ الجنوب يدفع أثمانًا باهظةً من دماء أبنائه واستنزاف مقدراته ومستقبل مشروعه الوطني.
لقد خاض شعب الجنوب المؤمن باستعادة دولته معركته، وقدَّم التضحيات الجسام، وانخرط في التحالف العربي انطلاقًا من قناعةٍ بأنَّ تلك الحرب ستقود إلى مشروعٍ عربي يحفظ أمن المنطقة ويصون المصالح المشتركة ويمنح الجنوب حقَّه في تقرير مصيره واستعادة دولته؛ غير أنَّ السنوات المتعاقبة حملت وقائع مغايرةً لما كان مأمولًا، إذ وجد شعب الجنوب المفوض المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ورئيسه الزبيدي أمام معادلةٍ سياسيةٍ رأى كثيرون أنها تُعيد إنتاج الأزمات ذاتها، وتمنح خصومهم فرصًا جديدةً على حساب قضية شعب الجنوب في استعادة الدولة كاملة السيادة، بينما بقيت القوى التي تتحدث باسم الشرعية أسيرةً للإقامة خارج الوطن، عاجزةً عن ممارسة وظائف الدولة، ومتواريةً عن ميادين المواجهة وعارفة في الفساد.
ومن هنا، فإنَّ التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة اليوم تفرض قراءةً مختلفةً لما جرى خلال العقد الماضي؛ فالرهان على تجاوز إرادة شعب الجنوب، أو محاولة إخضاع قضيته لحسابات التسويات الإقليمية، بدا – في نظر قطاعاتٍ واسعةٍ من الجنوبيين – رهانًا خاسرًا؛ لأنَّ الشعوب التي دفعت أثمان الحرية لا يمكن أن تتنازل عن حقوقها التاريخية والوطنية تحت ضغط المصالح المؤقتة أو التوازنات المتغيرة.
لقد تعرَّضت الهوية الوطنية لشعب الجنوب وجغرافيته، لمحاولاتٍ متكررةٍ من التشويه والإضعاف، من قبل المحتل اليمني والوصاية السعودية عبر أدواتٍ محليةٍ انخرطت معها؛ بهدف الحصول على السلطة أكثر من انخراطها في الدفاع عن المشروع الوطني، فأصبح الصراع يدور بين مشروعٍ يسعى إلى استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة ويمثل الغالبية العظمى من شعب الجنوب، وبين قوىً قليلة منخرطة مع الأحزاب اليمنية ترى أنَّ استمرار الواقع القائم يحقق لها مكاسب سياسيةً آنيةً ولو كان الثمن استمرار الأزمات وتعميق الانقسامات.
وفي خضم هذه المتغيرات، يبرز سؤالٌ مشروعٌ يفرض نفسه على كل متابعٍ حصيف: إذا كانت التطورات المتسارعة، وتصاعد قدرات جماعة الحوثي، واتساع رقعة التوتر لتطال الإقليم، وصولًا إلى تشابك الساحات مع العراق والبحر الأحمر وما حولهما، كانت جميعها سيناريوهاتٍ متوقعةً لدى صانع القرار الإقليمي، فلماذا أُضعفت – وفق هذا الرأي – العلاقة مع الحلفاء الذين شكَّلوا ركيزةً رئيسةً في مواجهة تلك التحديات؟ ولماذا جرى، بحسب هذا التصور، تهميش الدور الذي اضطلعت به دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب القيادة الجنوبية المتمثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه المفوض الزعيم عيدروس الزبيدي، رغم ما قدَّماه من حضورٍ ميدانيٍّ وسياسيٍّ خلال سنوات المواجهة؟
إنَّ المتغيرات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة اليوم، وما تشهده من تمددٍ للأزمات وتشابكٍ لمسرح العمليات من اليمن إلى العراق، ومن البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي، تكشف أنَّ حسابات الأمس لم تعد تصلح لإدارة تحديات اليوم. فالتحالفات تُبنى على المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، لا على التكتيكات المؤقتة أو الرهانات الضيقة، كما أنَّ استبعاد القوى الفاعلة التي تمتلك حضورًا شعبيًّا وميدانيًّا قد يفضي إلى نتائجٍ معاكسةٍ لما كان مأمولًا.
ومن هذا المنطلق، يعتقد كثيرٌ من الجنوبيين أنَّ قضية الجنوب العادلة والمتمثلة في استعادة الدولة كاملة السيادة لم تعد مجرد ملفٍّ داخليٍّ يمكن تأجيله أو الالتفاف عليه، بل أصبحت عنصرًا أساسيًّا في معادلة الأمن الإقليمي، وأنَّ أيَّ مقاربةٍ لا تعترف بحقيقة وجود شعبٍ يحمل قضيةً وطنيةً واضحةً وقيادةً سياسيةً تتمتع بقاعدةٍ شعبية، ستظل عاجزةً عن إنتاج سلامٍ دائمٍ أو استقرارٍ حقيقي.
لقد أثبتت التجارب أنَّ تجاهل الحقائق على الأرض لا يصنع حلولًا، وأنَّ بناء السلام لا يكون بإعادة تدوير الأزمات أو بإحياء كياناتٍ فقدت فاعليتها، وإنما بالاعتراف بالوقائع السياسية والاجتماعية كما هي، والانطلاق منها نحو معالجاتٍ عادلةٍ تضمن حقوق الجميع، وتؤسس لشراكاتٍ متوازنةٍ تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار في الإقليم: هل آن الأوان لإعادة مراجعة الحسابات السياسية، والاعتراف بأنَّ الجنوب لم يعد هامشًا في معادلة المنطقة، بل أصبح رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه؟ وهل تقتضي ضرورات المرحلة إعادة بناء التحالفات على أسسٍ أكثر واقعيةً وإنصافًا، بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها، ويمنح شعوبها فرصةً حقيقيةً للخروج من دوامة الصراعات الممتدة؟
إنَّ التاريخ يعلِّمنا أنَّ الشعوب التي تتمسك بحقوقها، وتصون هويتها، وتواصل نضالها بإرادةٍ راسخة، قد تتأخر في بلوغ أهدافها، لكنها لا تتخلى عنها؛ لأنَّ إرادة الأوطان أقوى من رهانات السياسة؛ ولأنَّ الحق، مهما طال الزمن، يظل حاضرًا في ضمير الشعوب حتى يجد طريقه إلى الواقع العادل الذي يمثله من خلاله انتصارًا لنضالاته واستقرارًا آمنًا للدول في المنطقة التي يجب أن تراعي مصالحه بصورة ندية ومشتركة وليس بمفهوم التعبية والوصاية المذلة.







