الدنيا التي أضعفت المحاربين
كتب ـ أ.د مهدي دبان
الترف و العيش الرغيد لا ينتجان محاربين.. ليس هناك من يضحي بالملايين والعقارات التي اكتسبها خلال سنوات ما بعد الحرب، ولا من السهولة عليه أن يفقد الروح التي عرفت معنى أن تكون آمرا ناهيا، صاحب صوت مسموع ومكانة مرموقة… بشرته تنعمت، ولحيته صُبغت وهُذبت، وشكله صار أقرب إلى عارضي الأزياء.. كل هذا ليس من السهولة التخلي عنه والخوض في حرب… في بداية المعارك كان الكل سواسية؛ شباب خرجوا للدفاع عن الدين والعرض والأرض، لا يملكون إلا أرواحهم وإيمانهم بما يقاتلون من أجله. كانوا مستعدين للتضحية بكل شيء، لأنهم ببساطة لم يكن لديهم الكثير مما يخافون عليه. لكن السنوات مرت، وتبدلت الأحوال، ودخلت الدنيا بقوة، ومعها تبدلت النفوس والأولويات…. وكما قال النبي ﷺ: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنّي أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم»…لقد بُسطت الدنيا بالفعل، وأصبح كثيرون يخافون على ما جمعوه أكثر من خوفهم على مبادئهم …
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.. من عاش الخندق يوما، ثم ذاق نعومة العيش وامتلك المال والعقار والنفوذ، ليس من السهل عليه أن يعود كما كان. فالمحارب الذي كان لا يخشى إلا الله، أصبح يخشى أن يخسر ما جمعه خلال سنوات طويلة. لم تعد المسألة عند البعض: ماذا سنقدم؟ بل أصبحت: ماذا سنخسر؟ ولهذا فإن المعارك يحسمها من بقيت في داخله روح ذلك الشاب الأول؛ الذي خرج للدفاع عن الدين والعرض والأرض، ولم يكن يملك إلا روحه. فالذي يخاف على كل ما جمع، لن يكون كمن لا يخاف إلا على قضيته.. وهذه هي الدنيا حين تدخل إلى قلب المحارب: لا تقتل جسده، لكنها تضعف روحه.



