تعرية الفكر المتطرف وأقنعة الغلو والتكفير.. كيف تتحطم فتاوى الوهم ودسائس “المؤدلجين” أمام صخرة الوعي الجنوبي؟

كتب/ أ.د.ميثاق باعبّاد الشعيبي
إن خطاب التكفير والتخوين، والمطالبة بتطهير العاصمة عدن من الشيوعيين، وتشبيه أبناء الجنوب بالصهاينة المغتصبين، يمثل ذروة التوظيف السياسي للدين بهدف تفكيك النسيج الاجتماعي وتقويض السلم الأهلي. هذا الخطاب لا يعبر عن خلاف سياسي طبيعي، بل هو فكر إقصائي يعتمد على تزييف الحقائق التاريخية والواقعية للمجتمع الجنوبي ..
وتتضح الأبعاد الجسيمة والمخاطر الفكرية لهؤلاء المؤدلجين ومخاطر مشروعهم التدميري في المحاور التالية:
أولاً: إن استدعاء شعار الشيوعية وتهم الجاهزية ليس إلا محاولة بائسة لإعادة إنتاج صراعات الماضي، وتوظيفها كإحدى أبرز أدوات الاحتلال الدينية للتحريض ضد الجنوبيين، بهدف شرعنة استمرار احتلاله وبسط نفوذه ونهب ثروات ومقدرات الجنوب. إن تحويل التنافس أو الخلاف السياسي إلى معركة دينية وعقائدية هو مسلك خطير وممنهج، يهدف من خلاله الاحتلال إلى هدر دماء المخالفين وتبرير استهداف المدنيين والمناضلين، مستغلاً العواطف الدينية لتأمين مصالحه الاستعمارية القائمة على سلب الأرض والخيرات ..
وفي هذا السياق، فإن الإرث الأيديولوجي الذي أسسه مقبل الودعي، ويمتد اليوم عبر يحيى الحجوري، يمثل جذور هذا الفكر المتطرف القادم من الشمال اليمني، والذي استهدف النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي في الجنوب العربي، ولا سيما العاصمة عدن، بفتاوى التحريض والإقصاء. لقد تجلى هذا النهج الدموي في استباحة الدماء ودعواتهم الآثمة إلى الاغتيالات والتصفيات تحت لافتة محاربة “الشيوعيين”؛ وهي تهمة واهية ومحض هراء وافتراء، نسجوها زوراً وبهتاناً ليشرعنوا بها جرائمهم ضد مجتمع جنوبي متمسك بدينه وهويته. هذا المسلك المكشوف يكشف كيف تحولت تلك الواجهات والعمائم الدينية إلى أدوات هدم وتجهيل لخدمة قوى النفوذ، وتمرير أجندات سياسية ومشاريع هيمنة تتخذ من غطاء العلم الشرعي مظلةً لقطع الرؤوس وإزهاق الأرواح الحرة …
ثانياً: تأتي المقارنة الظالمة بين أبناء الجنوب الذين يدافعون عن أرضهم وهويتهم وبين الصهاينة المغتصبين، لتقلب الحقائق والمنطق رأساً على عقب؛ فشتان بين من يتمسك بحقه الشرعي والتاريخي في وطنه وبين احتلال غاصب. وإنّه لمن المعيب حقاً المقارنة بين شعب الجنوب العربي المسلم وبين اليهود المخادعين في عهد النبي صل الله عليه وسلم، والذين قضى فيهم بحكمه الصارم بألا حُكم لهم ولا باقية وأمر بإخراجهم من أرض العرب وجزيرتها. إن مثل هذه التشبيهات المتطرفة لا تجافي الحقيقة الدينية والتاريخية فحسب، بل تسعى بوضوح إلى نزع المشروعية الأخلاقية والسياسية عن مطالب أبناء الجنوب العادلة، وتحويل النقاش من حقوق ومطالب مشروعة إلى صراع وجودي وهمي ..
ختاماً: إن مواجهة هذا الفكر المتطرف تتطلب تلاحماً وطنياً واسعاً، يبدأ من تحصين الوعي المجتمعي عبر وسائل الإعلام والمنصات الثقافية لنبذ خطابات الكراهية، ويمتد إلى تفعيل الأنظمة والقوانين التي تجرّم التكفير والتحريض، فالتنوع الفكري والسياسي يجب أن يظل مصدر قوة لإرساء قيم العدالة والاستقرار، بعيداً عن لغة التخوين والفتنة ..
ومن هنا، فإننا نقف بكل حب وإجلال وتقدير أمام الهامة الدينية والوطنية الشامخة، الشيخ الجليل محمود الجمل، الذي صدع بكلمة الحق في وجه هذا الفكر الدخيل وفضح زيف مآربهم. لقد أنار الشيخ الجمل طريق العاصمة عدن ولحج والجنوب عامة بدعوته الصادقة القائمة على الوسطية والاعتدال، مجسداً قيم الإسلام السمح ورسالته النقية لشعب الجنوب خاصة، وللأمة الإسلامية قاطبة؛ ليظل صوتاً للوعي وصمام أمان يحمي النسيج الفكري والروحي للوطن من سموم التكفير والغلو ..








