العرش الذي أكل أبناءه.. كيف حسمت سبع سنوات مصير آل سعود

أبين ميديا /تقرير

لم تكن الليلة التي شهدت إزاحة ولي العهد السابق محمد بن نايف سوى المحطة الأبرز في مسار لم يبدأ فجأة، بل بُذرت بذوره الأولى في أمسية ربيعية من عام 2012. يومها، جلس الشيخ سلمان العودة إلى الأمير الشاب محمد بن سلمان، ولم يكن يدرك أن حديثاً عابراً عن “ميكافيلي” كقدوة للقيادة، كان في الحقيقة إعلاناً لتأسيس دولة جديدة. دولة تفصل الأخلاق عن السياسة، وتتخذ من القسوة والمكر منهجاً للحكم.

وما كشفه الملازم السعودي سالم القحطاني في شهادته لقناة “يقظة”، لم يكن مجرد تسريبات عن كواليس القصر، بل قراءة لتشريح مشروع عائلي متكامل، أقرّه الملك سلمان ونفّذه ابنه، لتحويل ملكية توافقية تاريخية إلى إقطاعية أسرية ضيقة لا تتسع لأي شريك خارج النسل المباشر. سبع سنوات فقط، من 2012 إلى 2019، كانت كافية لاقتلاع أعمدة العائلة من جذورها. أما ما نعيشه اليوم في 2026، فليس سوى ارتدادات ذلك الزلزال الذي لم يتوقف صداه بعد.

أمر ملكي بإذلال أقوى حليف أمريكي

مرّت السنوات، وتسلّم الأمير الشاب ملفّات الأمن والاستخبارات، لكن الطريق نحو العرش كان مفروشاً بأشواك أقربائه. كانت المحطة الأولى في يونيو 2017، حين قرّر الابن التخلص من العمود الفقري للأمن السعودي، الأمير محمد بن نايف. لم يكن القرار مجرد مناورة من ولي عهد طموح، بل بأمر مباشر من والده الملك.

وفي مشهد كسر كل الأعراف، حُصر بن نايف في قصره، ووُضع تحت تهديدات طالت صحته وعائلته، ليُجبر في النهاية على الخروج مهاناً، ومبايعة خصمه أمام عدسات الكاميرات. لم تكن تلك مجرد إزاحة لرجل أمن، بل رسالة واضحة بأن “بيت سلمان” لا يقبل بأي شريك، مهما كانت خبرته أو دعمه الدولي.

التعذيب حتى الموت تحت يافطة “مكافحة الفساد”

لم يكتفِ الثنائي الحاكم بما جرى لبن نايف، بل وجّها البوصلة نحو جناح الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز. وبعد أشهر قليلة، تحوّل فندق “الريدز كارلتون” الفاخر إلى سجن لعشرات الأمراء والوزراء. تحت يافطة “مكافحة الفساد”، كانت الخطة الحقيقية تُنفذ بغطاء ملكي مباشر لاقتلاع أي وجود لبيت عبدالله من مفاصل الدولة.

كان الأمير متعب بن عبدالله، قائد الحرس الوطني، أول الساقطين، حيث جُرد من مناصبه واستُنزفت ملياراته في صفقة خروج صوري. لكن الكواليس التي كشفها الملازم القحطاني كانت أكثر دموية؛ ففي زنزانة مجاورة، أُخفي الأمير تركي بن عبدالله، وتعرض مدير مكتبه اللواء علي القحطاني للتعذيب بالصدمات الكهربائية حتى الموت. كانت تلك السابقة الدموية تأكيداً على أن المشروع لا يتوقف عند الإزاحة السياسية، بل يمتد إلى التصفية الجسدية والنفسية لكل من ينتمي لغير نسل الملك الحالي.

كرامة فرع واحد فقط.. والباقي مباح

مع مرور الوقت، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل من كانوا يُعتبرون خطاً أحمر: الأعمام والنساء. حين ظهر الأمير أحمد بن عبدالعزيز، شقيق الملك، من لندن ليحمل القيادة الحالية مسؤولية الكارثة التي حلت باليمن والمنطقة، كان الرد سريعاً وحاسماً. لم تتردد الأجهزة الأمنية في اعتقال شقيق الملك، بمباركة صامتة من أخيه الملك، لإسكات أي صوت منافس.

ولم تسلم النساء من هذه الآلة. في انتهاك صارخ لأقدس الأعراف القبلية والملكية، اختُطفت الأميرة بسمة بنت سعود وابنتها من مقرهما، وأودعا سجن الحائر لسنوات دون سند قانوني. لم يكن الهدف مجرد اعتقال معارضين، بل تكسير الهيبة المعنوية للفروع الأخرى، وإيذاناً بأن كرامة “بيت سلمان” وحدها هي المصونة، وأن دماء من سواهم أصبحت مباحة.

الدولة تحولت إلى أداة تصفية شخصية

أدرك الأمراء الفارون أن أسوار القصر ليست كافية للحماية، لكن آلة التصفية لم تعترف بالحدود الجغرافية. حوّلت الأجهزة الاستخباراتية، بتوجيهات عليا، عواصم أوروبا إلى مصائد. استُدرج الأمير سعود سيف النصر والأمير سلطان بن تركي عبر طائرات خاصة، وُعدوا فيها بلقاءات عائلية أو صفقات تجارية، ليفاجأوا بهبوط طائراتهم في مطار الرياض، لتفتح أبواب السجون في وجوههم. تحولت مؤسسات الدولة إلى أداة شخصية لتصفية الحسابات خارج أي نطاق قضائي.

سبع سنوات للحسم.. وسبع أخرى للانهيار الصامت

بحلول 2019، كان المشروع قد اكتمل هيكلياً. كل الأعمام أُسكتوا، كل أبناء الأعمام إما في السجون أو في المنافي أو في صمت مطبق. سبع سنوات كانت كافية لتفكيك عقد اجتماعي عمره تسعة عقود. لكن ما تلاها لم يكن استقراراً، بل فراغاً. فراغ ملأه الخوف، وملأته حروب خارجية باهظة الثمن بحثاً عن شرعية لا تُشترى بالدم.

اليوم، في 2026، يقف العرش على أكوام من الجثث السياسية والجسدية. النظام الذي لا يرحم أبناء جلده لتثبيت أقدامه، هو ذاته من أغرق المنطقة في حروب مدمرة، وكان الجنوب واليمن أبرز ضحايا هذه السياسات المتهورة التي تبحث عن شرعية مفقودة عبر الحروب.

التاريخ لا يرحم العروش التي تُبنى على التآمر الداخلي. وحين يأكل الأخ أخاه، ويبارك الأب هذه الفعلة، يبقى السؤال معلقاً في سماء الرياض: إلى متى سيصمد هذا البناء الهش؟ فالتاريخ يعيد نفسه، والجثث التي تُبنى عليها العروش، لا تلبث أن تسحب من شيّدها إلى الهاوية.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى