هل البنكسة وطنية أم جهل بها

كتب /د. أمين العلياني
هناك فارقٌ هائل بين أن تستعين بدولةٍ في معركتك الوطنية، وبين أن تستعير منها البوصلة التي تحدد لك اتجاه معركتك؛ فالأولى قد تكون سياسةً مشروعة تفرضها موازين القوى والمصالح الدولية، أما الثانية فهي اللحظة التي يبدأ فيها المشروع الوطني بفقدان استقلال قراره، ويتحول الدعم من وسيلةٍ تساعدك على الوصول إلى غايتك، إلى أداةٍ تعيد تشكيل غايتك نفسها بما يتوافق مع مصالح من يدفع لك.
ومن هنا يمكن أن نضع مفهوم البنكسة ــ وفق المعنى السياسي الذي نريد منحه للمصطلح ــ أمام سؤالٍ بالغ الخطورة: ماذا يحدث عندما يصبح الراتب القادم من دولةٍ ما مرتبطًا بتنفيذ موجهات سياسية وإعلامية، أو بتبني خطابٍ معين، أو بتغيير الأولويات الوطنية، أو بتسويق مسارٍ سياسي يخدم مصالح تلك الدولة أكثر مما يخدم قضية شعبه التي يدّعي صاحب الراتب أنه يناضل من أجلها؟
والمشكلة هنا ليست في المال وحده؛ فالمال في السياسة أداة، والدعم الخارجي قد يكون جزءًا طبيعيًّا من العلاقات بين القوى والدول والحركات السياسية غير أن الخطر القاتل يبدأ عندما يصبح الدخل ثمنًا للولاء، والولاء ثمنًا للموقف، والموقف ثمنًا للتنازل التدريجي عن استقلال القرار الوطني والتراجع عن مشروع شعبك الذي تتدعي أنك مناضل لأجل استعادته. وعندها لا يعود السؤال: كم استفاد المشروع الوطني من الدعم؟ بل يصبح السؤال الأكثر قسوة: كم خسر المشروع من استقلاله مقابل هذا الدعم الممول والمشروط حين يجعلك أداة لا مناضل؟
وبهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية وطنية عادلة ليس أن يرفضها خصومها، وإنما أن تنجح القوى الخارجية في احتوائها من الداخل، ثم إعادة توجيهها بحيث تبقى حيّة بما يكفي لتخدم مصالحها، ومقيّدة بما يكفي كي لا تبلغ نهايتها الوطنية المستقلة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: قد يظل صاحب البنكسة مقتنعًا بأنه وطني ويخدم وطنه، وقد يبرر لنفسه أنه يقف إلى جانب الدولة التي تمنحه المال؛ لأنها دولة مؤثرة، ولأنها تمتلك نفوذًا سياسيًّا واقتصاديًّا وقدرةً على التأثير في القرار الدولي، وأن الاقتراب منها قد يساعده على خدمة قضيته وانتصارها. وهذا التبرير يستحق النقاش لا السخرية؛ لأن السياسة ليست عالمًا مثاليًّا، والدول لا تتحرك في الغالب بدافع العاطفة، وإنما وفق مصالحها وحساباتها الاستراتيجية.
لكن السؤال الذي ينبغي ألا يهرب منه أحد هو: إذا كانت الدولة الداعمة تمنحك المال لكي تنفذ رؤيتها، فأين تبدأ مصلحة وطنك وأين تنتهي مصلحتها؟ وهل يصبح الارتهان المالي استقلالًا وطنيًّا لمجرد أن صاحبه يعلن أن الغاية النهائية هي الاستقلال؟
الوطنية ليست شعارًا يعلنه الإنسان عن نفسه، ولا بطاقةً سياسية يحصل عليها بمجرد رفع علم وطنه، ولا خطابًا حماسيًّا يكرر فيه أنه يعمل من أجل شعبه، بل الوطنية في جوهرها استقلالٌ في الإرادة، ووضوحٌ في الانتماء، وقدرةٌ على التمييز بين مصلحة الوطن ومصلحة الحليف. وقد تتطابق المصالح في مرحلةٍ ما، لكن التطابق لا يعني الذوبان، والتحالف لا يعني التبعية، والاستعانة لا تعني تسليم القرار.
ومن هنا فالدول نفسها لا تبني علاقاتها على قاعدة: أعطني مالًا لأصبح تابعًا لك وأداة إعلامية لتوجهاتك، وإنما تبنيها ــ في صورتها الطبيعية ــ على المصالح المتبادلة، والتفاوض، والندية، والاتفاقات، وحسابات الأمن والاقتصاد والسياسة. ولذلك فإن تحويل علاقة سياسية إلى علاقة مالية تجعل طرفًا يدفع، وطرفًا آخر ينفذ، يطرح سؤالًا جوهريًّا حول طبيعة العلاقة: هل نحن أمام تحالفٍ بين مصالح، أم أمام صناعةٍ لوكيل سياسي؟ والأشد خطورة أن الوكيل قد لا يشعر بأنه وكيل.
وبهذا فأخطر أشكال التبعية ليست تلك التي يُجبر فيها الإنسان على تنفيذ أوامر يعرف أنها ليست من مصلحته، وإنما تلك التي يُعاد تشكيل وعيه بحيث يرى مصلحة الجهة التي تموله جزءًا من مصلحة وطنه، حتى تختفي الحدود بين الاثنين في ذهنه ويصبح عندها لا يحتاج الطرف الخارجي إلى إصدار الأوامر كل يوم؛ يكفي أن يزرع منظومةً من المصالح تجعل صاحبها يتنبأ بما تريده الجهة الداعمة، فيقول ما يناسبها قبل أن تطلبه، ويدافع عن خياراتها قبل أن تُعلنها، ويهاجم خصومها بوصفهم خصومًا لوطنه، لا بوصفهم خصومًا لمصالحها.
وهنا تصبح البنكسة أكثر من راتب، بل هي إعادة هندسة للوعي السياسي. فالراتب الشهري قد يشتري الوقت، لكنه لا ينبغي أن يشتري الضمير، والدعم قد يساعد مشروعًا سياسيًّا على الصمود، لكنه لا ينبغي أن يحدد له نهايته، والإسناد الخارجي قد يفتح أبوابًا دولية، لكنه لا ينبغي أن يغلق أبواب الإرادة الوطنية. أما حين يصبح استمرار التمويل مرهونًا باستمرار الموقف السياسي، فإن قضية سياسية لأي شعب تنتقل من كونها مشروعًا وطنيًّا مستقلًّا إلى كونها مشروعًا مشروطًا برضا الممول وتحت وصايته.
وهنا ينبغي أن نطرح السؤال بصورة أكثر حدة: هل يستطيع من يتلقى راتبه من دولةٍ أجنبية أن يختلف معها عندما تتعارض مصالحها مع مصالح شعبه؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فهذه علامة على وجود استقلالٍ نسبي في القرار.
أما إذا كانت الإجابة لا، أو إذا كان الاختلاف يعني توقف الراتب، أو إقصاء الشخص، أو سحب الدعم، أو تشويه صورته داخل المنظومة التي صنعتها الدولة الداعمة، فنحن أمام علاقة تتجاوز الدعم إلى التبعية السياسية المقنّعة.
ولا يعني ذلك أن كل من يتلقى دعمًا خارجيًّا خائن، ولا أن كل علاقة مع دولةٍ أخرى عمالة، ولا أن كل تمويل سياسي بالضرورة فسادٌ في الوطنية وهذه تعميمات غير عادلة وغير علمية. فهناك حركاتٌ وقوى وطنية استعانت بقوى خارجية في مراحل مختلفة، واستفادت من دعم دولي دون أن تتنازل بالضرورة عن قرارها المستقل؛ لكن الفارق الحاسم يكمن في من يملك القرار النهائي؟ فإذا كان القرار النهائي ملكًا للوطن، كان الدعم أداة، وإذا كان القرار النهائي ملكًا للممول، أصبح الدعم قيدًا، وإذا كان القرار النهائي يتغير كلما تغيرت مصالح الممول، فقد تحولت القضية من مشروع وطني إلى وظيفة سياسية.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نعيد تعريف مفهوم الوطنية بعيدًا عن الانفعالاتذ؛ فالوطنية ليست رفض الخارج لمجرد أنه خارج، وليست قبول الخارج لمجرد أنه مؤيد؛ بل الوطنية هي أن تعرف كيف تتعامل مع الخارج دون أن يصبح الخارج هو الذي يعرّف لك مصلحة الداخل.
فالدولة التي تدعم قضيتك قد تكون حليفًا مهمًّا، وقد تكون ذات نفوذ حقيقي، وقد تكون قادرة على فتح أبواب دولية لا تستطيع وحدك الوصول إليها. لكن كل ذلك لا يمنحها حق امتلاك قضيتك لتصبح المالك الحصري في تعريفها لكي تصبح محتاجًا لفلوسها بل أنت يمكن أن تحتاجها، وهي يمكن أن تحتاجك، لكن الحاجة المتبادلة شيء، والوصاية شيء آخر.
ومن هنا فإن أخطر وهم سياسي هو الاعتقاد بأن قوة الدولة الداعمة تبرر التنازل عن استقلال القرار. فالدولة المؤثرة قد تساعدك على الوصول إلى بعض الأبواب، لكنها لن تعيش في وطنك بعد أن يتحقق مشروعك، ولن تدفع ثمن مستقبل أجيالك نيابةً عنك، ولن تحمل وحدها تبعات أي قرار استراتيجي اتخذته باسم شعبك. فالدولة الداعمة ستعود في النهاية إلى مصالحها، كما تفعل كل الدول؛ أما أنت فستبقى أمام شعبك وتاريخه وأجياله. ولهذا ينبغي أن يكون معيار السياسي الوطني بسيطًا وقاسيًا في الوقت نفسه:
هل تستطيع أن تقول لحليفك: نعم عندما تتوافق مصلحتنا، ولا عندما تتعارض؟
إن استطعت، فأنت حليف بنظرها، وإن لم تستطع، فأنت تابع. ومن هنا فإن البنكسة لا تُقاس بحجم الراتب، ولا بعدد الدول التي تمولك، ولا بعدد المنابر التي ظهرت فيها، وإنما تُقاس بمقدار ما تستطيع أن تقوله حين يصبح قول الحقيقة مكلفًا، وبمقدار ما تستطيع أن ترفضه حين يصبح الرفض سببًا لخسارتك المالية والسياسية.
فالقضية الوطنية التي تُربط بالراتب تصبح معرضةً لأن تتحول من قضية شعب إلى مهنة أفراد.
وحين يصبح النضال مهنة، يصبح استمرار القضية أحيانًا مرتبطًا باستمرار الوظيفة؛ فإذا توقف التمويل، توقف الحماس، وإذا تغيرت التوجيهات تغير الخطاب، وإذا تبدلت التحالفات تبدلت المواقف، وإذا تحولت مصالح الممول إلى اتجاه آخر، بحث بعض أصحاب البنكسة عن مبررات جديدة لتبرير الاتجاه الجديد.
وهنا تقع الكارثة الكبرى: أن يتحول الإنسان من مناضلٍ يملك موقفًا إلى موظفٍ يملك مبررات.
والشعوب صاحبة القضايا العادلة لا تناضل لكي تستبدل تبعيةً بتبعية، ولا لكي تنتقل من وصايةٍ داخلية إلى وصايةٍ خارجية، ولا لكي تستعيد وطنًا مستقلًا ثم تكتشف أن القرار الذي يخص مستقبل هذا الوطن كان قد جرى التفاوض عليه مسبقًا خارج حدوده.
ولهذا فالاستقلال الحقيقي لا يعني القطيعة مع العالم، بل يعني أن تدخل العالم وأنت تحمل قرارك معك، والعلاقات الدولية الناضجة لا تقوم على سؤال: من يدفع أكثر؟، وإنما على سؤال: كيف تتقاطع مصالحنا دون أن يبتلع أحدنا إرادة الآخر؟.
أما الوطنية التي تحتاج إلى راتبٍ كي تستمر، وتحتاج إلى توجيهٍ كي تتكلم، وتحتاج إلى موافقة الممول كي تحدد عدوها وصديقها، فهي بحاجة إلى مراجعة ذاتها قبل أن تطالب الآخرين بالاعتراف بوطنيتها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل البنكسة وطنية أم لا ، بل السؤال الأعمق: أيُّ وطنيةٍ هذه التي يصبح فيها ولاؤك المالي أقوى من ولائك السياسي، ويصبح الممول قادرًا على تغيير خطابك بمجرد أن يغير راتبك؟ فالوطنية لا تُقاس بمن يقف معك حين تكون مصلحته معك، وإنما تُقاس بمن يستطيع أن يحافظ على استقلال قراره حين تتعارض مصلحة الحليف مع مصلحة الوطن.
وفي النهاية، قد يحتاج المشروع الوطني إلى الحلفاء، وقد يحتاج إلى المال، وقد يحتاج إلى الدعم الدولي، وقد يحتاج إلى دولةٍ قوية تسانده في لحظةٍ تاريخية حرجة؛ لكن عليه أن يتذكر دائمًا أن الحليف الحقيقي يساعدك على امتلاك قرارك، أما الوصي فيساعدك بقدر ما تظل فاقدًا له.
والمعادلة التي ينبغي ألا يغفل عنها أي مشروع تحرري هي:
خذ الدعم، ولكن لا تسلّم البوصلة، وابنِ التحالف، ولكن لا تبع القرار، واستفد من نفوذ الآخرين، ولكن لا تجعل قضيتك امتدادًا لمشاريعهم، وتفاوض مع الدول، ولكن لا تتحول إلى أداةٍ في يدها.
فالوطن الذي يُستعاد بالمال وحده قد يستعيد أرضه، لكنه قد يخسر قراره؛ والوطن الذي يستعيد أرضه وقراره معًا هو وحده الذي يستطيع أن يمنح أبناءه ما حلموا به: الكرامة، والأمن، والتنمية، والرفاه، والحرية، ودولةً لا تُدار من خارجها، ولا تُكتب أهدافها في غرف الآخرين.
وهنا يكون الاختبار الحقيقي للنضال الوطني: ليس أن تصل إلى السلطة، ولا أن تحصل على الاعتراف، ولا أن تجمع حولك الحلفاء، بل أن تصل إلى اللحظة التي تستطيع فيها أن تقول لكل حليفٍ، مهما بلغت قوته ونفوذه:
نحن نريد شراكتكم، لا وصايتكم؛ دعمكم، لا قراركم؛ مصالحكم معنا، لا مصالحكم بدلًا من مصالحنا.
عندها فقط يصبح الدعم الخارجي تحالفًا، والمال وسيلةً، والعلاقة الدولية شراكةً، والنضال وطنيًّا.
أما حين يصبح الراتب هو الذي يحدد الموقف، والموقف هو الذي يحدد القضية، والقضية هي التي يعاد تشكيلها وفق مصالح الممول، فإن السؤال لم يعد عن البنكسة وحدها؛ بل يصبح السؤال عن مصير وطنٍ كامل: من يكتب مشروعه؟ ومن يحدد أهدافه؟ ومن يملك حق رسم مستقبله؟
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية: هل ناضلنا من أجل وطنٍ يملك قراره، أم من أجل مشروعٍ ينتقل من يدٍ إلى يدٍ بينما نظل نقنع أنفسنا بأننا ما زلنا نمتلك البوصلة؟



