محجوبي ….حكاية محارب

كتب أ.د مهدي دبان
أصعب شيء أن تكتب عن شخص هو أقرب إليك من حبل الوريد. ترعرعتم معا، واقتسمتم كل شيء، وبدأتم مشواركم الكروي معا، فتصبح الكتابة عنه أشبه بمحاولة أن تكتب جزءا من حياتك أنت… تعرف عنه ربما أكثر مما يعرف عن نفسه، وتشعر به أكثر مما تشعر به أسرته… لا أحد يعرف «محجوبي» كما أحب أن أناديه، ولا أحد يشعر بصلابته وقسوة مشواره كما رأيته وعشت تفاصيله عن قرب…يكفي أنه فقد والده في سن مبكرة، وكان يمكن لقسوة الحياة أن تأخذه إلى طريق آخر، لكنه اختار أن يشق طريقه بنفسه، وأن يصنع من ألمه قوة ومن ظروفه الصعبة حكاية نجاح، فصار علما يُشار إليه بالبنان، وإنسانا لا يختلف على محبته اثنان، ونجما كرويا لا يشق له غبار…
بدأت الحكاية التي جمعتنا؛ على ملعب الفتح، وفي سن البراعم، جمعنا نادي الميناء، وعشنا أجمل الذكريات. كان مميزا منذ صغره، أكثر حيوية وديناميكية، لا يهدأ ولا يكل ولا يمل، يعشق الكرة وهي تعشقه. عشنا معا لحظات جميلة وأخرى قاسية، ولعل أقساها مباراتنا أمام شعب حضرموت في لقاء التأهل والعودة إلى الدوري الممتاز؛ تعادلنا، ثم جاءت ركلات الترجيح لتوجه الضربة القاضية وتشتت أجمل وأروع جيل لعب على شواطئ ورمال ميناء التواهي.
لكنه كان محاربا، ولم يستسلم مثل كثيرين، وكان الكاتب أحدهم، خاض تجربة جديدة مع نادي الشعلة، وصار حاملا لمشعلها لسنوات، حتى أصبح محجوب نجما كرويا لا يشق له غبار، وصاحب حضور يعرفه كل من عاصروه في ملاعب عدن… لم يكن مجرد لاعب يجيد الكرة، كان يعرف كيف يصنع اللعب، وكيف يمنح المهاجمين فرصة التسجيل، وكان في الملعب مختلفا كما هو في الحياة؛ هادئا في لحظات، صلبا في لحظات أخرى، ولا يساوم عندما يتعلق الأمر بما يؤمن به. ومحجوب اليوم ليس مجرد اسم من أسماء الكرة العدنية خاصة واليمنية عامة، وإنما حكاية جميلة لإنسان حملته الحياة من تجربة إلى أخرى، وظل محافظا على معدنه ….
و يبقى عندي «محجوبي» ذلك الرفيق الذي عرفته منذ البدايات، وشاركني الطريق قبل أن تعرف الناس اسمه… أعرف ضحكته عندما تخرج من قلبه، وأعرف صمته عندما تثقل عليه الأيام، وأعرف جيدا كم أخفى من التعب خلف وجه يبدو دائما قويا بشوشا. لذلك حين أكتب عنه، لا أكتب عن لاعب فقط، وإنما أكتب عن أخ وصديق ورفيق عمر، عن إنسان انتصر على قسوة البدايات، وظل واقفل مثلما عرفته دائما؛ محجوبي الذي أحببناه، والذي كلما مرت السنوات زادت قيمته في القلب، وبقيت ذكرياتنا معه أجمل من أن تُنسى.



