هل سيرضخ الحموم لضغوطات العليمي والخنبشي؟

كتب: د. مسعود عمشوش

تبدو حضرموت، هذه الأيام، أمام واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية، في ظل التحركات المكثفة التي تسبق المؤتمر المزمع عقده في المكلا في الأول من سبتمبر. وبينما تحاول الأطراف المختلفة حشد أكبر قدر ممكن من الحضور والتمثيل الحضـرمي، تتركز الأنظار بصورة خاصة على موقف الحموم والقبائل والمكونات الاجتماعية المرتبطة بحلفهم، باعتبار أن حضورهم أو غيابهم يمكن أن يكون له تأثير واضح في صورة المؤتمر ومخرجاته.

وتتحدث معلومات متداولة في الأوساط الحضرمية عن اتصالات مكثفة يجريها سالم الخنبشي، بتوجيه من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، بهدف إقناع عدد أكبر من الشخصيات الاجتماعية والقبلية بالحضور إلى مؤتمر الأول من سبتمبر. ويقال إن هذه الاتصالات لا تقتصر على الدعوات والمجاملات السياسية المعتادة، وإنما تترافق ـ بحسب ما يتردد ـ مع وعود بمناصب وامتيازات ورواتب ومواقع نفوذ، في محاولة لضمان مشاركة واسعة وإظهار المؤتمر وكأنه يحظى بإجماع حضرمي.

وإذا صحت هذه المعلومات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: من سيحضر المؤتمر؟ بل: هل سيكون الحضور نابعًا من قناعة حقيقية بمشروع سياسي يخدم حضرموت، أم نتيجة ضغوط ووعود ومساومات سياسية؟

هل سيحضر عمرو بن حبريش نفسه؟

 

العصا والجزرة

يبدو أن المعركة الحقيقية التي تسبق مؤتمر المكلا لا تدور داخل قاعة المؤتمر، وإنما خارجها؛ في مجالس القبائل، واتصالات الشخصيات الاجتماعية، واللقاءات المغلقة، ومحاولات استمالة أصحاب التأثير.

وفي هذا السياق، يبدو الحموم تحديدًا أمام اختبار صعب. فالحضور الحمومي ليس مجرد رقم يضاف إلى قائمة المشاركين، بل يحمل دلالة سياسية واجتماعية، خصوصًا في ظل الحضور التاريخي للحموم في القضايا المتعلقة بمصالح حضرموت وحقوق أبنائها.

ولهذا تبدو محاولات استمالة الحموم، أو إقناع بعض الشخصيات المحسوبة عليه بالمشاركة، ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى منظمي المؤتمر.

وتشير الأحاديث المتداولة إلى أن الرسائل الموجهة إلى بعض الشخصيات تتراوح بين الجزرة والعصا: وعود بالمناصب والمرتبات والامتيازات من جهة، والتلويح بخسارة النفوذ أو إقصاء الرافضين من المشهد من جهة أخرى.

وهذه، إن صحت، ليست ممارسة جديدة في السياسة العليمية. فقد اعتادت الحكومات والسلطات المتعاقبة استخدام سياسة الاستمالة، وتوزيع المناصب والامتيازات، إلى جانب الضغوط السياسية والاجتماعية، لضمان ولاء بعض الشخصيات والمكونات.

لكن المشكلة في الحالة الحضرمية أن المرحلة لم تعد تحتمل هذا النوع من إدارة الملفات الحساسة.

هل يمكن شراء الموقف الحضرمي الحقيقي؟

السؤال الأكثر أهمية هو: هل يمكن أن تتحول القضية الحضرمية إلى مجرد سوق للمناصب والمرتبات؟ هل سيتضاعف عدد الوكلاء والمستشارين؟

هل هناك شخصيات قابلة للشراء ومستعدة للسكوت على تحويل ٨٠% من عائدات نفط حضرموت الى صنعاء وتحديدا للحوثي؟

 

حضرموت لا تعاني من نقص في المناصب التي يمكن توزيعها على الشخصيات، بقدر ما تعاني من غياب رؤية واضحة لكيفية إدارة ثرواتها، وتحقيق شراكة حقيقية لأبنائها في القرار السياسي والاقتصادي والأمني.

ومن هنا فإن أي شخصية حضرمية تذهب إلى مؤتمر أو تدعم مشروعًا سياسيًا ينبغي أن تكون قادرة على الإجابة أمام مجتمعها عن سؤال بسيط: ماذا حصلت عليه حضرموت، وليس ماذا حصل عليه الشخص؟

فالمنصب الذي يحصل عليه فرد يمكن أن ينتهي بانتهاء صاحبه، والراتب الذي يُمنح لشخص يمكن أن يتوقف بقرار إداري، أما الحقوق السياسية والاقتصادية والمؤسسية لحضرموت فهي قضية أجيال.

ولهذا فإن محاولة استمالة الشخصيات القبلية والاجتماعية بالوعود الشخصية قد تنجح في حشد عدد من الأفراد، لكنها لا تستطيع بالضرورة صناعة شرعية حقيقية لمشروع سياسي لا يحظى بالقبول الشعبي.

فعلا الحموم، في هذه اللحظة، أمام اختبار يتجاوز مسألة المشاركة في مؤتمر من عدمها.

فإذا قرر الحموم الحضور، فإن المطلوب ألا يكون الحضور مجرد صورة جماعية تستخدم لإثبات وجود إجماع حضرمي، بل ينبغي أن يكون حضورًا مشروطًا بوضوح الموقف من قضايا حضرموت الأساسية.

أما إذا قرروا عدم المشاركة، فعليهم أيضًا أن يشرحوا للرأي العام الحضرمي أسباب موقفهم، وأن يقدموا بديلًا سياسيًا واضحًا، لأن مقاطعة أي مؤتمر لا تكفي وحدها لصناعة موقف سياسي مؤثر.

وفي الحالتين، فإن القيمة الحقيقية للموقف لا تتحدد بعدد الأشخاص الذين يجلسون في قاعة المؤتمر، وإنما بقدرتهم على الدفاع عن مصالح مجتمعهم.

والمشكلة الأكبر أن بعض القوى السياسية ،اليمنية شرعية وحوثية، لا تزال تتعامل مع حضرموت باعتبارها ساحة يمكن ترتيبها من الخارج، أو مجموعة من القبائل والشخصيات التي يمكن استمالتها بالمناصب والامتيازات.

وهذا التصور لم يعد واقعيًا.

فحضرموت اليوم أكثر وعيًا بمصالحها، وأكثر إدراكًا لقيمة ثرواتها وموقعها الجغرافي، وأكثر حساسية تجاه أي ترتيبات سياسية لا تمنح أبناءها دورًا حقيقيًا في إدارة شؤونهم.

ولهذا فإن نجاح أي مؤتمر في حضرموت – إن كان سينجح- لن يقاس بعدد الشخصيات التي تم شراؤها واستقطابها ، ولا بعدد البيانات التي ستصدر عنه، وإنما بمدى قدرته على تقديم إجابات واضحة عن الحفاظ على مستقبل السلطة والثروة والأمن والإدارة المحلية، وموقع حضرموت في أي تسوية سياسية قادمة.

أما تحويل المؤتمر إلى مناسبة لحشد الأسما

والصور وإظهار أن الجميع قد حضر، بينما تكون القرارات الحقيقية قد اتخذت في مكان آخر، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشكوك.

هل سيرضخ الحموم؟

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيرضخ الحموم لضغوطات العليمي والخنبشي، أم سيتمسك بموقف مستقل يضع المصلحة الحضرمية فوق الحسابات الشخصية؟

وهل سينجح منطق العصا والجزرة هذه المرة، أم يختار الحموم أن يقول إن موقف حضرموت لا يُشترى بالمناصب والمرتبات؟

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى