وهم “التلبس” ووصمة الطب النفسي
كتب/سناء العطوي
انتشرت في مجتمعاتنا مؤخراً بشكل لا يصدق ظاهرة تفسير كل عارض صحي، أو صوت، أو حلم، أو خوف مفاجئ بـ “تلبس الجن والشياطين”، حتى أصبحت شماعة جاهزة يُعلق عليها كل ما يصعب فهمه.
ولعل التساؤل الذي يطرح نفسه: لماذا نادراً ما نسمع عن رئيس وزراء، أو مسؤول مرموق، أو طالب متفوق يرجع تعثره أو اضطرابه النفسي إلى التلبس، بينما تظل هذه التفسيرات حاضرة وبقوة بين البسطاء، مستنزفةً طاقاتهم ومقدراتهم؟
إن الفارق الأساسي لا يعود إلى اختلاف في الطبيعة البشرية، بل إلى الأدوات المعرفية؛ فالشخص المتفوق أو المسؤول يملك أدوات البحث والتحليل العلمي التي تمكنه من رد الظواهر إلى أسبابها الواقعية كالإجهاد الذهني أو الاضطرابات الكيميائية في الدماغ.
وفي المقابل، يفتقر الفرد البسيط لهذه الأدوات المعرفية، فيلجأ للتفسير المباشر المتاح في موروثه الشفهي.
وما زاد الطين بلة وزاد من انتشار هذه الظاهرة، هو الاقتران المجتمعي الخاطئ الذي يربط الذهاب إلى المعالج النفسي بـ “الجنون”. هذه الوصمة جعلت زيارة الطبيب النفسي أمراً يتهرب منه الجميع خوفاً من كلام الناس، مما دفع العائلات للهروب من واقع المرض الطبي والتستر خلف ادعاء أن المريض “ممسوس” أو “معيون”؛ كون هذا الادعاء يمنح المريض صفة الضحية الفاقدة للسيطرة ويُعفي الأسرة من الحرج الاجتماعي.
ينتج عن هذا الانحياز استنزاف مادي ونفسي كبير للبسطاء، حيث يُستغل عجزهم وقلة معرفتهم من قبل المشعوذين وأدعياء العلاج، مما يؤخر حصول المريض على الرعاية الطبية الحقيقية ويؤدي إلى تفاقم حالته بدلاً من شفائها.
إن الإيمان بوجود الغيبيات مسألة إيمانية مستقرة، لكن تحويل الغيب إلى عذر لتجاهل الأسباب المادية يمثل تعطيلًا صريحًا للعقل. فالطب النفسي ليس للـ “مجانين”، بل هو فرع علمي كأي تخصص طبي آخر. العلم لا ينفي الغيبيات، بل يضيء العقول للتمييز بين المجهول وبين ما يمكن فهمه وعلاجه، والمبادرة بالقراءة والوعي هي المفتاح الوحيد لإغلاق باب الخرافة وكسر هذه الوصمة نهائياً.
گ/ سناء العطوي



