قراءة سياسية في كلمة عضو هيئة الرئاسة والأمين العام للمجلس الانتقالي بمناسبة ذكرى الجيش الجنوبي

كتب : د. أمين العلياني

لم تكن الكلمة التي ألقاها عضو هيئة الرئاسة والأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، الأستاذ وضاح نصر عبيد الحالمي، في ساحة العروض بالعاصمة عدن، بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، مجرّد خطاب احتفائي تستدعيه مناسبة عسكرية وذاكرة وطنية؛ بل بدت، في جوهرها السياسي، كأنها إعادة رسمٍ لحدود المعركة الجنوبية في لحظة تتكاثر فيها محاولات إعادة ترتيب المشهد من خارج إرادة أهله، وتتصاعد فيها الضغوط لتطويع القوة الجنوبية وإعادة توجيهها بعيدًا عن قضيتها الوطنية. ولذلك لم يكن استدعاء تاريخ الجيش الجنوبي في هذه المناسبة عودةً إلى الماضي بقدر ما كان استدعاءً لمعنى السيادة في الحاضر، وتذكيرًا بأن المؤسسة العسكرية التي وُلدت لحماية وطن لا يمكن تحويلها إلى أداة في يد من يريدون مصادرة قراره.
في قلب الكلمة كانت هناك حقيقة سياسية صريحة. هي أن الجيش الجنوبي ليس مجرد قوة عسكرية يمكن إعادة ترتيبها بقرار، أو دمجها في هياكل تُرسم خارج إرادة شعب الجنوب، أو توظيفها في معارك الآخرين؛ بل هو جزء من هوية سياسية وطنية، وحاملٌ من حوامل السيادة، وذاكرةٌ حية لشعب عرف ثمن فقدان دولته ومؤسساته. ومن هنا جاء الرفض الواضح لكل المشاريع التي تتخفى خلف عناوين مجالس تنسيق وترتيب المشهد وإعادة الهيكلة، بينما تحمل في أعماقها محاولةً قديمةً متجددة لإعادة الجنوب إلى مربع الوصاية، وإنتاج واقع سياسي يُراد له أن يقوم فوق أنقاض إرادته.
وهنا تحديدًا تكمن قوة الرسالة؛ فالكلمة لم تهاجم فكرة التعاون، ولم ترفض العلاقات، ولم تغلق الجنوب أمام العالمين الإقليمي والدولي، لكنها رسمت خطًّا فاصلًا بين التعاون والوصاية، وبين الشراكة والمصادرة، وبين التنسيق الذي يحترم القرار الوطني والترتيبات التي تُصاغ لانتزاعه.
ومن هنا فقد جاءت كلمته، بلغة سياسية لا تخطئها العين، إن الجنوب لم يعد ذلك الفراغ الذي يستطيع الآخرون ملأه بمشاريعهم، وإن القضية الجنوبية لم تعد ملفًّا مؤجلًا في أدراج المفاوضات، ولا ورقةً قابلةً للمساومة في أسواق المصالح الإقليمية والدولية.
وكانت العبارة الأكثر دلالة في هذا السياق هي التأكيد على أن الجنوب ليس ساحةً مفتوحة لتجارب الآخرين. فهي ليست جملةً خطابية، بل خلاصة تاريخ طويل من التجارب التي دفع الجنوب ثمنها؛ حين تحولت أرضه في مراحل مختلفة إلى ميدان لصراعات لم يصنعها، ثم طُلب منه بعد كل عاصفة أن يدفع فاتورة النتائج. ولذلك فإن الإصرار على أن تكون الأرض أرض الجنوب، والقرار قراره، والثروة حق شعبه، هو إعلان سياسي بأن مرحلة الوصاية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن الشعوب التي تعيد اكتشاف إرادتها لا يمكن إعادتها بسهولة إلى زمن التبعية.
وفي تأكيده على أن قرار السلم والحرب يجب أن تحكمه مصلحة الجنوب وإرادة شعبه، وضعت الكلمة يدها على واحدة من أخطر القضايا في المشهد الراهن: من يملك حق تقرير مصير القوة العسكرية الجنوبية؟ فهذه القوة لم تُبنَ لكي تتحول إلى وقود مجاني في صراعات الآخرين، ولم يقدّم الجنوب أبناءه في ميادين القتال لكي تصبح دماؤهم مادةً لتوسيع نفوذ هذا الطرف أو ذاك.
إن الجيش الذي يحمل اسم الجنوب يجب أن يكون سلاحًا لحماية الجنوب، وحدوده، وأمنه، ومصالح شعبه، لا أداةً لتصفية حسابات لا تعود عليه إلا بمزيد من الخسائر.
وفي الوقت نفسه، لم تحمل هذه الرسالة أي التباس في الموقف من الخطر الحوثي؛ إذ أكدت أن المليشيات الحوثية عدو قاتله الجنوب ولا يزال يواجه تهديداته، غير أن الاعتراف بالعدو لا يعني تسليم الآخرين بحق استخدام الجنوب وقواته متى أرادوا وأين أرادوا. وهنا تظهر معادلة سياسية دقيقة: مواجهة الخطر لا تعني التخلي عن القرار، والتحالف لا يعني إلغاء الإرادة، والشراكة لا تعني الوصاية.
أما الإشارة المباشرة إلى الاعتقالات والملاحقات التي تطال شباب الجنوب، والمطالبة بالإفراج عن عدد من المعتقلين، فقد نقلت الكلمة من مستوى التوصيف السياسي إلى مستوى المواجهة مع ما عدّته ممارسات قمعية تستهدف الإرادة الجنوبية. وكانت الرسالة الأشد وقعًا أن القضايا الوطنية لا تُهزم بالسجون، وأن الاعتقال لا يستطيع أن يصنع شرعيةً، وأن القوة التي تراهن على إنهاك الشعوب بالقمع تكتشف، في النهاية، أن القيد قد يحاصر جسدًا لكنه لا يستطيع أن يسجن فكرةً.
إن كلمة وضاح الحالمي، في دلالتها الأعمق، لم تكن احتفالًا بتاريخ الجيش الجنوبي بقدر ما كانت دفاعًا عن مستقبله؛ فالجيش، كما بدا في الخطاب، هو جزء من السؤال الكبير الذي يواجه الجنوب اليوم: هل تكون المؤسسات الجنوبية أدواتٍ لحماية مشروع شعبها، أم تتحول إلى هياكل معلقة في فضاء الترتيبات الخارجية؟ وهل يبقى القرار الجنوبي ملكًا لأصحابه، أم يُعاد تفكيكه تحت عناوين مؤقتة لا تنتهي؟
لقد اختارت الكلمة الإجابة بوضوح. لا عودة إلى مربع الوصاية، ولا قبول بمصادرة القرار، ولا تفريط بالقوات التي صنعتها تضحيات الجنوبيين، ولا تحويل للقضية إلى سلعة تفاوضية. وهي رسالة قد تكون موجّهة إلى الداخل بقدر ما هي موجّهة إلى الخارج؛ لأن أخطر ما يهدد القضايا الوطنية ليس الضغط الخارجي وحده، بل أيضًا قابلية بعض القوى في الداخل لأن تتحول إلى بواباتٍ يعبر منها ذلك الضغط.
وفي الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، بدا أن الماضي لم يكن غائبًا عن ساحة العروض، لكنه لم يحضر بوصفه ذكرى ساكنة؛ حضر بوصفه شاهدًا على حقيقة لا تزال قائمة: أن الوطن الذي فقد مؤسساته مرةً يعرف جيدًا قيمة استعادتها، وأن الشعب الذي دفع ثمن تفكيك دولته لن يقبل بسهولة بتفكيك إرادته من جديد.
وهكذا، فإن أهم ما في الكلمة ليس ارتفاع نبرتها، بل وضوح معناها السياسي؛ لقد كانت رسالةً تقول إن الجنوب دخل مرحلةً لم يعد فيها مستعدًّا لأن يكون موضوعًا لقرارات الآخرين، بل طرفًا يمتلك إرادته، وقضيته، وقواته، وحقه في تقرير مستقبله. ومن لا يزال يظن أن بإمكانه إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، فربما لم يدرك بعد أن الجنوب الذي يحيي اليوم ذكرى جيشه لا يستدعي الماضي ليبكي عليه، وإنما يستدعيه ليحرس المستقبل الذي فوض قيادته ورئيسه في استعادته وضحى الشعب بروحه وأروى بدمائه تراب أرضه؛ لأجل استعادة وطنه من المحتل ولا يريد على إرادته وصاية؛ ليعيش حرًا وكريمًا على ترابه.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى