إذا انتصر الجنوب عسكريًا… من يخاف من انتصاره سياسيًا؟

 

الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب

في اليمن، يبدو أن هناك قاعدة سياسية جديدة تستحق أن تدرس في الجامعات:

قاتل حتى تنتصر… لكن إياك أن تفكر ماذا ستفعل بعد الانتصار!

فالجنوبي عندما يكون في الجبهة يصبح «شريكًا»، وعندما يسقط شهيدًا يصبح عند بعض الأصوات مادة للشماتة، وعندما يطالب بأن يكون له رأي في مستقبل أرضه وقضيته، تبدأ الأسئلة الطويلة: ومن أعطاك الحق؟ ومن سمح لك؟

وهنا لا بد من التوقف عند أحداث حضرموت والمهرة في يناير 2026م، عندما قامت القوات المسلحة الجنوبية بتحرير حضرموت والمهرة ولكن قامت المملكة العربية السعودية بضربات جوية بواسطة الطيران الحربي السعودية، وسقط ضحايا وجرحى، وسط تصاعد حاد في الخطاب السياسي والإعلامي.

والأكثر إيلامًا أن بعض الأصوات في مواقع التواصل الاجتماعي تعاملت مع خسائر القوات المسلحة الجنوبية والمدنيين بمنطق الشماتة.

لكن، للتوضيح، لا يصح تحويل هذه الأصوات إلى حكم على جميع أبناء الشمال؛ فالمجتمعات ليست كتلة واحدة، وهناك شماليون رفضوا خطاب الكراهية والتشفي.

المشكلة ليست في «شمالي» أو «جنوبي».

المشكلة عندما يتحول الخلاف السياسي إلى شماتة بدماء البشر.

قصة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية: انتصر الحلفاء… ثم بدأ السؤال الأكبر.

بعد هزيمة ألمانيا النازية عام 1945م، لم تنتهِ القصة بانتهاء المعارك.

كان الحلفاء قد قاتلوا في خندق واحد ضد عدو مشترك، لكن بعد انتهاء الحرب ظهرت خلافات عميقة حول مستقبل أوروبا وألمانيا نفسها، وانقسمت ألمانيا لاحقًا إلى دولتين.

الدرس هنا ليس أن كل تحالف سينتهي إلى خصومة، وإنما أن:

– التحالف العسكري لا يعني بالضرورة اتفاقًا على شكل المستقبل السياسي.

– وهذه نقطة تستحق أن يتأملها الجنوب.

فمن الممكن أن تتفق قوى متعددة على عدو واحد، لكنها تختلف جذريًا عندما يبدأ السؤال:

من يحكم؟

ومن يقرر؟

وما شكل الدولة القادمة؟

قصة الجزائر: عندما تحولت المعركة إلى مفاوضات
خاضت جبهة التحرير الوطني الجزائرية حربًا طويلة ضد الاستعمار الفرنسي.

وفي النهاية لم يكن الحل عسكريًا فقط، بل دخل الطرفان في مفاوضات انتهت باتفاقيات إيفيان عام 1962م، ثم استقلال الجزائر.

وهنا يظهر درس مهم:

– الانتصار العسكري أو الصمود على الأرض لا يصبح مكتملًا إلا عندما يتحول إلى نتيجة سياسية.

– الذي يقاتل دون أن يعرف ماذا يريد بعد توقف الرصاص قد يجد نفسه أمام طاولة مفاوضات لا يملك فيها ما يكفي من الأوراق.

قصة جنوب السودان: القوة وحدها لم تكن النهاية حيث يقدم مثالًا أكثر قربًا من موضوع تقريرنا.
بعد سنوات طويلة من الحرب بين الشمال والجنوب، جاءت اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، التي فتحت الطريق أمام استفتاء تقرير المصير.

وفي 2011م، اختار غالبية الناخبين الانفصال، وأعلن جنوب السودان استقلاله.

لكن القصة نفسها تقدم درسًا آخر:
الحصول على الاستقلال ليس نهاية التاريخ.

الدولة الجديدة واجهت تحديات ضخمة بعد الاستقلال، من صراعات داخلية إلى أزمات اقتصادية وأمنية.

أي أن القوة تستطيع أن تفتح الباب، لكن بناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات ووحدة سياسية ورؤية واضحة.

قصة الهند وباكستان: عندما يتحول مطلب سياسي إلى واقع جديد في عام 1947م، انتهى الحكم البريطاني في شبه القارة الهندية، وظهرت دولتان: الهند وباكستان.

كان التقسيم نتيجة سنوات من الصراع السياسي والمفاوضات والضغوط الشعبية.

لكن ولادة الدولتين لم تعني انتهاء المشاكل؛ بل بدأت نزاعات جديدة حول الحدود وكشمير وغيرها.

والدرس هنا:

تغيير الخريطة السياسية أسهل من بناء السلام الذي يأتي بعدها.

وهذا ما يجب أن يدركه أي مشروع سياسي في اليمن.

وقصة الاتحاد السوفيتي: القوة التي بدت أبدية ثم تغيرت الخريطة لعقود، بدا الاتحاد السوفيتي قوة لا يمكن أن تتغير.

لكن عام 1991م انهار الاتحاد السوفيتي، وظهرت جمهوريات مستقلة عديدة.

لم يكن الأمر نتيجة معركة عسكرية واحدة، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية وقومية عميقة.

وهنا درس آخر:

الخريطة السياسية لا تبقى ثابتة إلى الأبد، لكن تغييرها يحتاج إلى ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة، وليس إلى القوة العسكرية وحدها.

والعودة إلى الجنوب بعد كل هذه القصص التاريخية، يعود السؤال اليمني نفسه:

ماذا سيستفيد الجنوبيون إذا استنزفت قوتهم العسكرية في معارك الشمال، ثم انتهت الحرب بتسوية سياسية ترفض مطالبهم؟

هل ستكون الإجابة:

شكرًا على الشهداء والجرحى… والآن اتركوا السياسة للكبار؟

إذا كانت هذه هي النتيجة، فهنا تصبح السخرية حزينة أكثر من كونها مضحكة.

لأن الجندي الذي قاتل، والأسرة التي فقدت ابنها، والجريح الذي عاد من الجبهة، كلها تستحق أن تعرف:

ما الهدف السياسي من كل هذه التضحيات؟

حضرموت والمهرة… درس لا ينبغي أن ينسى:

أحداث يناير 2026م، ينبغي أن تقرأ بعقل سياسي، لا بعاطفة الانتقام.

فإذا كان الجنوب قد وجد نفسه في مواجهة مع طرف إقليمي كان جزءًا من المشهد الداعم للقوى المناهضة للحوثيين، ثم شاهد بعض الأصوات تشمت بخسائره، فهذا يطرح سؤالًا جوهريًا:

هل التحالفات العسكرية ثابتة فعلًا، أم أنها تتغير عندما تتغير المصالح؟

والتاريخ يقول إن المصالح السياسية تستطيع أن تعيد تشكيل التحالفات بسرعة مذهلة.

ولهذا لا ينبغي للجنوب أن يبني مستقبله على فكرة أن «الحليف سيبقى حليفًا إلى الأبد».

الحليف اليوم قد يختلف غدًا.

والصديق السياسي قد يصبح منافسًا.

والتحالف الذي يبدو قويًا في زمن الحرب قد يتغير عندما تبدأ مفاوضات السلام.

لا تخلطوا بين القوة والانتقام لكن هناك نقطة يجب أن تكون واضحة:

الدعوة إلى الحفاظ على القوة الجنوبية لا تعني الدعوة إلى قتال أبناء الشمال أو الانتقام منهم.

القوة الحقيقية هي أن تكون هناك قدرة دفاعية منظمة تحمي الأرض والسكان، وتحافظ على الأمن، وتمنح القيادة السياسية وزنًا في أي مفاوضات.

أما تحويل القضية إلى كراهية جماعية بين شمال وجنوب، فهو بالضبط الفخ الذي يجب تجنبه.

الجنوب يستطيع أن يطالب بحقه السياسي دون أن يكره الشماليين، كما يستطيع الشمالي أن يختلف مع المشروع الجنوبي دون أن يشمت بدماء الجنوبيين.

المفارقة الكبرى وهنا نصل إلى أكثر أجزاء الحكاية سخرية:

الجنوبي مطلوب منه أن يكون قويًا عندما يحتاجونه… وضعيفًا عندما يبدأ الحديث عن مستقبله!

– قاتل الحوثي: ممتاز.

– احمي الجبهة: ممتاز.

– حرر الأرض: ممتاز.

– قدم الشهداء: تضحيات عظيمة.

لكن عندما يقول:

«والآن أريد أن أناقش مستقبل الجنوب».

تأتي الإجابة:

يا أخي، لا تستعجل… اجلس على جنب!

وهذه ليست سياسة مستقرة، بل وصفة لإنتاج أزمات جديدة.

الخلاصة:

التاريخ لا يعطي ضمانات لأحد لكنه يقدم دروسًا واضحة:

– الجزائر أظهرت كيف يمكن أن تتحول الحرب إلى مفاوضات واستقلال.

– جنوب السودان أظهر أن تقرير المصير يحتاج إلى مسار سياسي، وأن الاستقلال نفسه ليس نهاية التحديات.

– ألمانيا بعد 1945م، أظهرت أن الحلفاء في الحرب قد يختلفون بشدة حول شكل المستقبل.

– الهند وباكستان أظهرتا أن التسويات السياسية تستطيع تغيير الخرائط، لكن السلام يحتاج إلى عمل طويل.

– الاتحاد السوفيتي أظهر أن حتى القوى التي تبدو ثابتة يمكن أن تتغير خرائطها السياسية.

أما الدرس الذي يمكن للجنوب استخلاصه فهو:

لا تجعل قوتك العسكرية مجرد وقود لحرب الآخرين، ولا تجعل قضيتك السياسية رهينة لحسابات الآخرين.

حافظ على قوتك الدفاعية، ووحد صفك، واحمي شعبك، وابني مؤسساتك، واطرح قضيتك سياسيًا وسلميًا بوضوح.

القوة التي لا تتحول إلى مشروع سياسي قد تضيع.

السياسة التي لا تستند إلى قوة مجتمعية ومؤسساتية قد تهمش.

أما أسوأ سيناريو على الإطلاق فهو أن ينتصر الإنسان في الجبهة… ثم يكتشف أن معركة المستقبل بدأت بعد أن سلّم سلاحه السياسي!

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى