التيكي تاكا العمودية

أ.د مهدي دبان
في ملاعب كرة القدم تمر فترات ذهبية على بعض الأندية والمنتخبات، فالمقصود هنا ليس فقط الفوز بالألقاب، بل ذلك السحر الذي ينثره الفريق على أرضية الملعب، والمتعة التي يقدمها للجماهير خلال المشاهدة، حتى تشعر وكأن اللاعبين لا يلعبون كرة القدم بقدر ما يعزفون سيمفونية على المستطيل الأخضر وربما بدأت قصة هذا السحر الكروي مع برازيل 82، تلك الفرقة التي جعلت عشاق الكرة في العالم يفتنون بما قدمته، رغم أنها لم تحقق اللقب العالمي، لكنها بقيت في الذاكرة رمزا للجمال والمتعة، لأن بعض الفرق لا تحتاج إلى كأس حتى تخلد في التاريخ …. ومن الأندية التي قدمت هذا السحر على مدار عقود مضت كان برشلونة، الذي اعتنق المذهب الكرويفي الكروي وارتبط أسلوبه بشكل وثيق بالكرة الشاملة الهولندية، ثم استطاع تطويره حتى أصبح في عهد جوارديولا ماركة كتلونية مسجلة؛ فريقا من وحي الخيال والأحلام ومن رحم تلك الفلسفة ظهرت التيكي تاكا ، القائمة على الاستحواذ، والتمرير القصير السريع والمستمر، والحركة الدائمة بدون كرة لخلق المساحات وحلول التمرير، والضغط العكسي السريع عند فقدان الكرة لاستعادتها خلال ثوان معدودة ….كان برشلونة يومها يجعل الكرة تبدو وكأنها تبحث عن أقدام لاعبيه بنفسها، وكأن المستطيل الأخضر أصبح مسرحا، واللاعبون فرقة موسيقية تعرف تماما كيف تعزف اجمل الألحان…
واليوم، جاء الفوهرر الألماني فليك ليضيف إلى هذا السحر الكروي شيئا من عنفوان وتوهج وديناميكية الكرة الألمانية، فينتج لنا خليطا جديدا مختلفا عما كان عليه سابقا فإذا أضفنا فلسفة هانزي فليك إلى أسلوب التيكي تاكا، فإننا نتحدث عن مزيج بين المدرسة الإسبانية، بما فيها الاستحواذ والتمرير القصير والمهارة، والمدرسة الألمانية الحديثة، بما فيها الكرة المباشرة، والشدة البدنية، والضغط العالي الخانق إنها التيكي تاكا المباشرة أو التيكي تاكا النفاثة والسريعة؛ تمرير قصير، لكن ليس من أجل التدوير السلبي، بل للوصول بأسرع طريق إلى العمق والمرمى، مع التركيز على التمرير العمودي ورفع رتم اللعب إلى أقصى درجة، والضغط الشديد بمصيدة أوفسايد متقدمة، ثم التحول الفوري من الدفاع إلى الهجوم …. إنها التيكي تاكا العمودية؛ تحافظ على ال«DNA» الكروي لبرشلونة في التمرير والمهارة والاستحواذ، لكنها تطعمه بالشراسة والسرعة والفاعلية المباشرة أمام المرمى وهنا يكمن جمال الحكاية: كرة القدم لا تتوقف عن التطور، والسحر لا يموت، وإنما يتغير شكله من جيل إلى جيل؛ من سيمفونيات برازيل 82، إلى عبقرية كرويف وبرشلونة، إلى تيكي تاكا جوارديولا، وصولا إلى محاولة فليك لصناعة نسخة أكثر سرعة وشراسة وعمودية.. وكأن برشلونة يبحث من جديد عن موسيقى مختلفة، لكن بروح اللحن القديم ….



