نجلاء شمسان.. امرأة عدنية حوّلت منزلها إلى ذاكرة حيّة للتراث

 

في أحد البيوت المطلة على رصيف السواح في التواهي بعدن، صنعت الأستاذة نجلاء شمسان تجربة ثقافية استثنائية، حين حوّلت منزلها إلى «بيت الموروث الشعبي»، لتجمع فيه على مدى أكثر من ثلاثة عقود ثروة من الأزياء والحلي والأدوات المنزلية والزراعية والحرف والمقتنيات القديمة التي تختزن تفاصيل من حياة الآباء والأجداد.
ولدت نجلاء شمسان عام 1950م في الشيخ عثمان بعدن، ونشأت في المدينة التي احتضنت مسيرتها التربوية والفنية والثقافية، وفي سن الثانية عشرة شاركت في نقل الرسائل خلال مرحلتي ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وعُرفت حينها بلقب «الحمام الزاجل». كما بدأت التمثيل في سن الرابعة عشرة من خلال المسرح المدرسي، قبل أن تواصل مسيرتها في التعليم والفن والعمل الاجتماعي.

عملت معلمة ومديرة مدرسة ومديرة لرياض الأطفال، وتولت مهام في مجال رعاية الأطفال والمسنين وذوي الإعاقة، إلى جانب نشاطها في الإعلام والفن والمسرح والتلفزيون والإذاعة. كما درست اللغة الإنجليزية في جامعة عدن.

غير أن مشروعها الأبرز ظل «بيت الموروث الشعبي»، الذي بدأ من ركن صغير داخل منزلها بمقتنيات بسيطة، ثم تحول مع مرور السنوات إلى متحف يضم نماذج متنوعة من التراث الوطني، من عدن ولحج وأبين إلى مناطق مختلفة من البلاد؛ من الأزياء والحلي والفخار وأدوات الزراعة والحياكة والتطريز، إلى الصور القديمة وأدوات الحياة اليومية.

وتتعامل شمسان مع كل قطعة باعتبارها وثيقة تحكي حياة أصحابها، لا مجرد أثر قديم؛ فالثوب، والحلية، وأداة العمل، وإناء المنزل، كلها تحمل ذاكرة مجتمع وتفاصيل حياة كانت جزءًا من يوميات الأجيال السابقة.

ولم يعتمد مشروعها على تمويل رسمي، بل قامت فكرته على جهد شخصي وإيمان عميق بأن حماية التراث مسؤولية جماعية، وتواجه اليوم تحديات تتعلق بمحدودية الدعم، والحاجة إلى مكان وتجهيزات ملائمة للحفظ والترميم، فضلًا عن هاجسها الأكبر: ضمان استمرار المتحف وحماية مقتنياته من الضياع بعد رحيلها.

وفي هذا العام 2026م، توج هذا الجهد بحصول «بيت الموروث الشعبي» على جائزة أفضل متحف تراثي شخصي عربي ضمن الدورة الأولى لجوائز الإعلام التراثي العربي، تقديرًا لجهود مؤسسته في جمع الموروث الشعبي وحفظه وتوثيقه وتعريف الأجيال الجديدة به.

إن تجربة نجلاء شمسان تتجاوز فكرة المتحف؛ فهي مشروع فردي لحماية ذاكرة شعب، ورسالة تؤكد أن التراث ليس مجرد مقتنيات صامتة، بل هو حكاية الإنسان وملامح حياته وهويته. ومن عدن، المدينة التي عُرفت تاريخيًا بانفتاحها وتنوعها، تواصل شمسان حمل هذه الذاكرة من جيل إلى جيل، لتقول للأجيال الجديدة: هذا موروثكم.. فاعرفوه، واعتزوا به، واحفظوه.
#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى