الانتصارات العسكرية الجنوبية.. من نتائج الميدان إلى استحقاقات بناء الدولة وحق تقرير المصير

أبين ميديا/بوابة الجنوب

 

 

تتجاوز دلالات الانتصارات العسكرية التي تحققها القوات المسلحة الجنوبية حدود المشهد الميداني المباشر، لتفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل الجنوب، وشكل الترتيبات السياسية والأمنية التي يمكن أن تترتب على التحولات المتسارعة في جبهات المواجهة. فكل تقدم عسكري يفرض، إلى جانب الأسئلة المتعلقة بالأمن والدفاع، أسئلة أخرى بشأن إدارة المناطق المحررة، وبناء المؤسسات، وترسيخ الاستقرار، وتحويل المكاسب العسكرية إلى واقع سياسي ومؤسسي مستدام.

وخلال السنوات الماضية، برزت القوات الجنوبية بوصفها طرفًا فاعلًا في عدد من جبهات المواجهة، ولا سيما في المناطق الجنوبية والساحلية، حيث ارتبط حضورها بملفات حماية المدن والمناطق الحيوية ومواجهة التهديدات المسلحة. ومع استمرار المواجهات، أصبح الأداء العسكري جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

ويرى مؤيدو المشروع السياسي الجنوبي أن هذه التطورات تمنح القضية الجنوبية وزنًا أكبر في أي ترتيبات سياسية مقبلة، باعتبار أن الواقع على الأرض أصبح عاملًا أساسيًا في تحديد شكل التسويات. وفي المقابل، فإن تحويل هذا الواقع إلى مؤسسات دولة يتطلب، إلى جانب القوة العسكرية، بناء منظومة سياسية وقانونية وإدارية قادرة على إدارة الموارد وتقديم الخدمات وحماية الحقوق وتنظيم العلاقة بين مختلف المحافظات والمكونات.

وتبرز هنا مسألة السيادة بوصفها واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بمستقبل الجنوب. فالسيادة، وفق المفهوم السياسي والقانوني، لا تقتصر على السيطرة الأمنية أو العسكرية، وإنما تشمل وجود مؤسسات فاعلة، وسلطة قانون، وإدارة اقتصادية مستقرة، وقدرة على حماية الحدود والمصالح العامة، إلى جانب وجود تمثيل سياسي يحظى بقبول شعبي.

 

 

ومن هذا المنطلق، فإن الانتصار العسكري لا يمثل نهاية المعركة السياسية، بل يمكن أن يكون بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا، تتطلب الانتقال من منطق الجبهات إلى منطق المؤسسات. فالمناطق التي تشهد استقرارًا أمنيًا تحتاج إلى إدارة فعالة، والموارد تحتاج إلى آليات شفافة، والخدمات تحتاج إلى خطط طويلة الأمد، فيما يتطلب أي مشروع سياسي قابل للاستمرار توافقًا داخليًا واسعًا وترتيبات واضحة بشأن مؤسسات الحكم.

 

كما تفرض التطورات الميدانية على القوى الجنوبية تحديات تتعلق بالحفاظ على وحدة الصف، وإدارة الاختلافات الداخلية، ومنع تحول التباينات السياسية إلى صراعات تؤثر في الاستقرار. فبناء أي كيان سياسي مستقر لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى مؤسسات تمثل المجتمع وتستوعب تنوعه الجغرافي والسياسي والاجتماعي.

 

وفي الجانب الاقتصادي، تظل قضية الموارد والثروات من الملفات الأكثر حساسية في أي نقاش حول مستقبل الجنوب. إذ إن امتلاك الموارد لا يكفي لتحقيق التنمية ما لم ترافقه مؤسسات رقابية وإدارية قادرة على إدارة الإيرادات بصورة واضحة، وتوجيهها نحو الخدمات والبنية التحتية والتعليم والصحة وفرص الاستثمار.

وعليه، فإن المرحلة المقبلة تبدو مرتبطة بقدرة القوى الجنوبية على تحويل ما تحقق في الميدان إلى مسار سياسي ومؤسسي واضح، بحيث تصبح الإنجازات العسكرية عاملًا للاستقرار وليس مجرد مكاسب مؤقتة. كما أن أي تسوية سياسية مقبلة ستواجه سؤالًا أساسيًا يتعلق بكيفية التعامل مع القضية الجنوبية ومطالب الجنوبيين بشأن مستقبلهم السياسي.

 

وبينما تستمر المواجهات على عدد من الجبهات، يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من مرحلة تثبيت الواقع الميداني إلى مرحلة بناء المؤسسات وترسيخ الأمن وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والخدمي. وفي هذه المعادلة، ستظل التطورات العسكرية أحد عناصر التأثير، لكنها لن تكون وحدها كافية لحسم مستقبل الجنوب، الذي يرتبط كذلك بالمسار السياسي، والتوافق الداخلي، والموقف الإقليمي والدولي، وشكل التسوية التي قد تخرج بها المرحلة المقبلة.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى