عبدالرحمن علي حيدره (غاندي).. حين تبقى القناعات ويتغيّر الرفاق

كتب ـ محمد معوضه
من الدرجاج إلى ميادين النضال.. حكاية رجل ظل متمسكاً بقناعاته، مؤمناً بوطن العدالة والكرامة، رغم تبدّل الرفاق وتغيّر المواقف.*
وُلد المناضل عبدالرحمن علي حيدره، المعروف بـ«غاندي»، في منطقة الدرجاج بمحافظة أبين عام 1971م. عاش طفولته يتيماً ، حيث أستشهد والده في العام 1976م دفاعاً عن المناطق الشرقية للوطن في محافظة المهرة ، وبدأ رحلته في الحياة مبكراً، فالتحق عام 1987م بالخدمات الطبية العسكرية في جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وعمل في مستشفى باصهيب العسكري، حيث عُرف بالجدية والمصداقية والمهنية العالية.
وبعد حرب صيف 1994م، ومع ما شهدته المرحلة من أحداث وتداعيات، برزت أصوات جنوبية عديدة تطالب بالإنصاف ورفض التهميش والإقصاء. وكان غاندي واحداً ممن اختاروا التعبير عن قناعاتهم والدفاع عن حقوقهم، وظل يرفع صوته في وجه ما رآه من ممارسات تعسفية داخل محيط عمله، غير آبه بما قد يترتب على موقفه من متاعب وتحديات.
*من الحراك السلمي إلى ميادين المقاومة*
مع انطلاق الحراك الجنوبي السلمي عام 2007م، كان غاندي من أوائل المشاركين في الفعاليات والاعتصامات والمظاهرات الشعبية المطالبة باستعادة الدولة الجنوبية. آمن بعدالة القضية التي يحملها، وجعل من حضوره في الميادين امتداد لموقفه الرافض للظلم والتهميش.
شارك في مختلف الأنشطة الاحتجاجية والعصيان المدني، واستمر في نضاله حتى أحداث عام 2012م، حين واجه، مع رفاقه، قوات الأمن المركزي في عدن خلال إحدى المظاهرات، وتعرض لإصابة بالغة كادت أن تودي بحياته، ولم تتوقف معاناته عند ذلك، إذ تعرض، بحسب الرواية المتداولة عنه، لمحاولة اغتيال أثناء احتجازه في سجن المنصورة بعدن.
وعندما اجتاح الحوثيون محافظة عدن في العام 2015م، كان غاندي من أوائل الذين حملوا السلاح دفاعاً عن أرضهم، مشاركاً في المقاومة ضد التقدم الحوثي، حتى تحقق الانتصار في عدن.
*من ساحات المقاومة إلى العمل السياسي*
في مرحلة لاحقة، ومع تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، رأى غاندي فيه حاملاً سياسياً للقضية الجنوبية، وواصل نشاطه من خلاله، متولياً رئاسة لجنة الحشد الجماهيري في الأمانة العامة للمجلس.
ومن موقعه، عمل على حشد الجماهير وتنظيم الفعاليات والاعتصامات، مؤمناً بأن صوت الشارع يمثل إحدى أهم وسائل التعبير عن المطالب السياسية.
ولم يكن غاندي، وفق ما عبّر عنه في مواقفه، ينظر إلى مستقبل الجنوب بمعزل عن محيطه، بل كان يرى إمكانية قيام دولتين متجاورتين، تربطهما علاقات الاحترام المتبادل والسيادة، مع تعاون أبناء الشمال والجنوب في مواجهة المشروع الحوثي، بما يحقق الأمن والاستقرار للجميع.
*حين يتغيّر الرفاق وتبقى القناعات*
ومع تصاعد الخلافات السياسية والعسكرية بشأن تحركات القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة في العام 2026م ، وما أعقبها من تطورات ومواقف متباينة، وجد غاندي نفسه أمام مرحلة جديدة من الصراع والتحديات.
تمسك بموقفه المؤيد للمجلس الانتقالي الجنوبي، واستمر في تنظيم الفعاليات والمظاهرات، حتى وجد نفسه في مواجهة واقع مؤلم؛ إذ رأى أن بعض من كانوا بالأمس رفاقاً له في الميدان أصبحوا اليوم، بحسب وصفه، في الجانب المقابل من الاحتجاجات التي يشارك فيها.
وفي شهر رمضان من عام 2026م، تعرض غاندي للاعتقال على خلفية مشاركته في إحدى المظاهرات السلمية، ليعيش تجربة قاسية، لم يكن ألمها في فقدان الحرية وحده، بل في شعوره بأن بعض الذين شاركوه الطريق ورفعوا معه الراية ذاتها أصبحوا يتعاملون معه بوصفه خصماً.
كانت لحظة تختصر مرارة التحولات السياسية حين تتبدل المواقع، وتختلف المصالح، وتصبح العلاقة بين رفاق الأمس محكومة بمواقف اليوم.
ومع ذلك، لم يعلن غاندي تخليه عن قناعاته، ولم يرَ في السجن نهاية الطريق، بل خرج منه أكثر تمسكاً بما يؤمن به، وعاد إلى ساحات النضال، وكأن ذاكرته تعيده إلى البدايات الأولى للحراك الجنوبي عام 2007م.
*من أجل وطن يسع الجميع*
عاد غاندي إلى الميدان، رافعاً مطالب سياسية جديدة، من بينها إخراج القوات التابعة للشرعية اليمنية من عدن. وفي هذا السياق، شارك في حشد جماهيري أمام بوابة قصر المعاشيق الرئاسي، مطالباً برحيل القيادات السياسية والعسكرية التي يرى أنها لا تمثل تطلعاته وتطلعات أنصاره.
لكن المشهد حمل مفارقة مؤلمة أخرى؛ إذ واجه المحتجون إجراءات من قوات جنوبية كانت، في مراحل سابقة، جزءاً من المعسكر الذي جمعهم.
وهنا تتجلى المفارقة التي يعيشها غاندي اليوم: رجل أمضى سنوات طويلة في النضال، يرى أن خصوم الأمس قد يصبحون شركاء الغد، وأن الخلافات السياسية، مهما اشتدت، لا ينبغي أن تتحول إلى عداوات دائمة بين أبناء الوطن الواحد.
*«أن يعيش أولادي في وطن العدالة والتنمية والديمقراطية»*
في لقائي الأخير بالمناضل عبدالرحمن علي حيدره (غاندي)، خلال عيد الأضحى المبارك، سألته سؤالاً حمل كثيراً من الحيرة والألم:
لمن تناضل اليوم، ما دام من يواجهونكم هم أنفسهم من كانوا بالأمس أصدقاء ورفاق درب؟
جاء جوابه معبراً عن رؤيته لمستقبل الوطن، وعن أمل يتجاوز الخلافات والخصومات:
«من أجل أن يعيش أولادي في وطن العدالة والتنمية والديمقراطية، ومن يواجهنا اليوم سيعود ويكون معنا غداً؛ فالوطن للجميع، والخونة إلى مزبلة التاريخ».
كانت تلك الكلمات خلاصة تجربة طويلة، اختلطت فيها المعاناة بالأمل، والاختلاف بالإصرار، ومرارة الحاضر بالتطلع إلى مستقبل أفضل.
*فغاندي* ، كما يروي مساره، ليس مجرد اسم ارتبط بالمظاهرات والاعتصامات والمقاومة، بل نموذج لرجل ظل متمسكاً بما يراه حقاً، رغم ما تعرض له من إصابات واعتقال، ورغم التحولات التي جعلته يواجه بعض رفاق الأمس في ميادين الاحتجاج.
قد تختلف الآراء حول مواقفه السياسية، وقد تتباين القراءات لمراحل نضاله، لكن قصته تفتح باباً مهماً للتأمل في معنى الوفاء للقناعات، وفي قدرة الإنسان على مواصلة الطريق وسط التحولات والانقسامات.
فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، بل تحفظه أيضاً ذاكرة الرجال الذين عاشوا أحداثه، وتحمله شهاداتهم بما فيها من آمال وآلام ومواقف. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يرحم احداً؛ لأنه يحتفظ للأجيال القادمة بحق معرفة ما حدث، وكيف تبدلت المواقف، ومن بقي وفياً لقناعاته، ومن غيّرته الظروف.
*سواء اتفقنا مع غاندي في فكره ومواقفه أو اختلفنا معه، فإنه يظل رجلاً يستحق الاحترام لتمسكه بقناعاته، وإيمانه العميق بعدالة قضيته، وثباته على ما يؤمن به رغم تقلبات الظروف وتغيّر المواقف.*








