“رهاب الأخبار”.. ظاهرة نفسية تنتشر عالمياً

أبين ميديا /متابعات /أحمد الشنقيطي
لم تكن الأخبار يوماً أكثر إتاحة مما هي عليه اليوم، لكن بالنسبة للبعض، يعد هذا جوهر المشكلة. ففي ظل فيضان المعلومات والتحديثات المتواصلة، يزداد عدد الأشخاص حول العالم الذين يختارون الانسحاب من متابعة الأخبار، لتنشأ حالة من الرهاب “فوبيا متابعة الأخبار”.
تفاوتت آراء الناس حول متابعة الأخبار، فهناك من يثقل كاهله حجم الأخبار الهائل، وهناك من يتأثر سلباً بالحمولة العاطفية للعناوين السلبية، فيما عبّر آخرون عن فقدان الثقة بوسائل الإعلام نفسها.
وتعج المنتديات الإلكترونية المعنية بالصحة النفسية، بنقاشات حول طرق “التخفف” من وضع حدود زمنية لمتابعة الأخبار دون مقاطعتها بالكامل، بحسب “غارديان” الإنجليزية.
وبحسب استطلاع سنوي أجراه «معهد رويترز لدراسة الصحافة» في يونيو الماضي، بلغ تجنّب الأخبار مستوى قياسياً عالمياً، حيث قال 40% من المشاركين (في نحو 50 دولة) إنهم يتجنبون الأخبار أحياناً أو غالباً، مقارنة بـ29% فقط في 2017، وهو أعلى معدل مسجّل حتى الآن.
في الولايات المتحدة ارتفعت النسبة إلى 42%، وفي المملكة المتحدة إلى 46%، وكان السبب الأبرز الذي قدّمه المشاركون أن «الأخبار تؤثر سلباً في مزاجهم».
إلى جانب ذلك، أشار كثيرون إلى الإنهاك من كثرة التغطيات، والملل من الأخبار المستمرة عن الحروب والصراعات، والشعور بعدم جدوى تلك المعلومات.
وتختلف طرق الانسحاب التي ابتدعها الناس للتخفيف من تأثير الأخبار، بين من قال إنه يطّلع على الأخبار مرة واحدة أسبوعياً فقط ليبقى مطلعاً من دون إنهاك، ومن قرر مقاطعة الأخبار منذ سنوات بسبب تأثيرها في مزاجه وانعدام ثقته بالإعلام، وهناك من هرب من الشعور بالغضب الشديد إزاء التطورات السياسية الأخيرة، بالاكتفاء بمطالعة العناوين الرئيسية فقط.
أثر نفسي
تشير الدراسات إلى أن التعرض المستمر للأخبار خصوصاً عبر التلفاز ووسائل التواصل، لا سيما عند متابعة أحداث مأساوية أو صادمة، يترك أثراً مباشراً في الصحة النفسية.. حيث درست البروفيسورة روكسان كوهين سيلفر، من جامعة كاليفورنيا-إيرفاين، على مدى عقود نتائج متابعة الأزمات عبر الإعلام، من أحداث 11 سبتمبر إلى جائحة كوفيد وكوارث المناخ وحوادث إطلاق النار الجماعي. وخلصت إلى أنه: «كلما زاد التعرض، ازدادت مستويات القلق والاكتئاب وأعراض التوتر والصدمة»، وتحديداً، مشاهدة الصور الدموية أو الصادمة ترتبط باضطراب نفسي أوضح.
وأضافت سيلفر: «مع صعود الهواتف الذكية ووسائل التواصل، أصبح هناك إغراق متواصل بالرسائل الإخبارية، من إشعارات فورية إلى متابعة متعددة الوسائط».
ووجد في السنوات الأخيرة أن الاستقطاب السياسي بات مصدر ضغط نفسي بارز في الولايات المتحدة.
أما استطلاع جمعية علم النفس الأميركية العام الماضي فأكد أن السياسة تصدرت قائمة “مسببات التوتر”، يليها الاقتصاد والأخبار الكاذبة.
نصائح
في مقابل ذلك التذمر والتوتر النفسي بسبب الأخبار، انتشرت نصائح على الإنترنت توصي باستهلاك الأخبار بوعي، من أبرزها:
-tتحديد أوقات ثابتة للاطلاع بدلاً من التعرّض المستمر.
-tالاعتماد على نشرات بريدية أو ملخصات من مصادر موثوقة.
-tإغلاق إشعارات الأخبار.
-tتقليل متابعة الأخبار عبر وسائل التواصل.
تقول سيلفر: «يمكن للناس أن يظلوا على اطلاع من دون الوقوع في فخ (التمرير الكئيب)». وعن نفسها، تتابع الأخبار في الصحف فقط، وتتجنب الفيديوهات ومواقع التواصل: «لا أرى أي فائدة نفسية أو جسدية من مشاهدة تلك الصور».
فجوة اجتماعية
الباحث بنيامين توف، مدير مركز الصحافة بجامعة مينيسوتا، تناول الظاهرة في كتابه تجنّب الأخبار. وهو يفرّق بين من يحددون استهلاكهم بوعي (وهو أمر صحي)، وبين من يقاطعون الأخبار تماماً (وهو ما يقلقه).
ويقول: «نحن نعيش في عالم يمكن فيه الوصول إلى الأخبار على مدار الساعة، لكن هذا لا يعني أنك ملزم بذلك»، ويرى توف أن الانسحاب الكامل قد يعمّق الانقسامات الاجتماعية ويجعل بعض الفئات أقل مشاركة سياسية.
وتظهر الدراسات أن التجنّب المستمر للأخبار أكثر شيوعاً بين الشباب والنساء وذوي الدخول المحدودة.
ويختم توف: «إذا كنا نؤمن بأن المشاركة السياسية حق متساوٍ للجميع، فإن عزوف شرائح كاملة عن متابعة الأخبار يمثل مشكلة حقيقية».







