غيل باوزير .. نموذج رائد للمدينة الحضرمية النظيفة

تقرير : أحمد باحمادي
× النظافة علامة رُقي :
جميعنا يعرف المقولة الشهيرة التي تقول : ” النظافة من الإيمان ” إلا أن تجليات هذه القيمة في واقعنا المعيش أصبحت تتفاوت من مكان إلى آخر، فإذا جلنا بأنظارنا لنستطلع مستوى النظافة في مدننا وقرانا لصُدمنا من مدى التناقض بين قيمنا الإسلامية وتطبيقها على ظهر الواقع، وحتى نستحثّ المجتمع على الاعتناء بالنظافة فنحن نسوق مثالاً لمدينة حضرمية ضربت المثل في مسألة النظافة، هذه المدينة هي ( غيل باوزير )، فتعالوا بنا في جولة قصيرة وماتعة كي نعرف أسرار هذا الرقي والتمدّن.
× غيل باوزير .. وشهرتها في النظافة :
عُرفت ( غيل باوزير ) مدينة التراث والفن والثقافة والتعليم ـ وهي مدينة ساحلية تقع في محافظة حضرموت ـ بأنها من أنظف المدن، وعلى مدى سنوات من الجهود المبذولة في هذا المجال حصلت المدينة على تقدير واسع وإشادات عالية وتقدير كبير من قبل الكثير من المسؤولين والشحصيات الاجتماعية ووسائل الإعلام، ومنذ أن تدخل مدينة الغيل تجد نظافة الشوارع ويأتي في مقدمتها وأبرزها شارعها الرئيس بدءاً من مسجد التقوى حتى جولة الفانوس، وما يتفرع عنه من شوارع داخلية.
× إرث في نظافة البيئة :
يحكي أهل مدينة غيل باوزير أن لهم إرثاً قديما وتاريخياً في نظافة بيئتهم، ومما يذكرون في هذا الجانب شخصية بيئية يسمى ( سعيد أحمد سواحلي )، فهذا الرجل كان يعمل مفتشاً صحياً ومسؤولاً بلدياً كانت مهمته نشر الوعي وغرسه في المجتمع، حيث كان يتجوّل في الشوارع والأحياء لرؤية مستوى النظافة، محذراً الناس من مغبّة رمي القمامة أو ترك مجاري الصرف الصحي تسيل في الشوارع، فكان يعطي المخالفين تحذيراً شفوياً أو استدعاءً فكان له أبلغ الأثر في غرس وإرساء مداميك الوعي بأهمية النظافة وجعلها سلوكاً معتاداً عليه ولا ينفك عن الجميع.
× عشق النظافة بين الجميع :
حرصت المدينة بمشروعها الذي عُرف بـ ( مشروع النظافة والتحسين ) على صناعة عشق النظافة بين صفوف ساكنيها وأهلها وعمال المشروع، فنجد ذلك المشروع العظيم قد واظب بشكل مستمر ومتقَن وعمل مهندسوه ( مهندسو النظافة ) على أداء مهمتهم بكل حرص وأمانة، فكانوا يتواجدون في الشوارع طيلة ساعات اليوم، ينظفون الشوارع ويرفعون المخلفات أولاً بأول، ويعملون بكل تفانٍ وثبات على تحسين المظهر للأماكن العامة ويحرصون على الاستمرار في مهامهم حتى خلال الأعياد، ومن اللافت رؤية ذلك الانسجام والاحترام المتبادل بين سكان المدينة ومهندسي النظافة، فكلٌ من العامل المخلص النشيط والمواطن المتفهّم والمقدّر لجهود الآخرين هما سر نظافة المدينة.
× لفتات شكر .. وتعاون مثمر :
المجتمع والجهات الأهلية والرسمية لم تتجاهل ما يبذله ( مهندسو النظافة ) من جهود تستحق العرفان والشكر، لذا فقد نال أولئك العاملون التكريم والحوافز المادية والمعنوية تقديراً لجهودهم في العناية بالمدينة وإبقائها لامعة مضاءة بمستوى النظافة العالي الذي نال رضا الجميع وفاق التصورات ، وإن نسينا فيجب ألا ننسى أن نشير إلى أن ثمة تعاون مثمر بين مشروع النظافة والتحسين وبين منظمات المجتمع المدني من خلال تنفيذ العديد من البرامج التدريبية والتوعوية للعاملين خاصة والمجتمع على جهة العموم حول النظافة والسلامة المهنية، وأيضاً مشاركة المبادرات التطوعية في الأنشطة التي تنشر الوعي ومثال ذلك حملات النظافة الجماعية وكتابة العبارات والرسوم على الجدران التي تستحثّ المجتمع وتحفزه وتشجعه على الحفاظ على نظافة المدينة.
× بيئة تحيطها العناية :
أن تصنعَ ثقافة النظافة بين الجميع فهذا أمر ليس بالأمر السهل الهين، ولا يمكن أن تزرع تلك الثقافة بين يوم وليلة إن لم يكنْ سلوكاً يلتزم به الجميع أو الأكثرية، لذا فإننا نجد أن ديدن أهالي الغيل عشق النظافة وتفضيل العيش في بيئة خالية من التلوث والمنغصات، وباستمرار تجذر هذه القيمة أصبحت جزءاً أصيلاً من الوعي المجتمعي الذي ترسخ عبر عقود وأجيال من الآباء والأجداد في كيفية الحفاظ على البيئة والاستغلال الأمثل للمواد والأوعية الصديقة للبيئة.
× دور السلطات :
تبذل السلطة المحلية بالمديرية عموماً وفي المدينة خصوصاً جهوداً مشكورة لتحسين الوضع القائم، والناظر لحال النظافة يجد اهتماماً رسمياً بتحسين الخدمات عموماً ومنها النظافة، مع إدراكنا أن ثمة تحديات ومشاكل ما زالت تواجه السلطات منها البنية التحتية التي تحتاج إلى تحسينات واستثمارات كي يتحسّن وضعها وترتقي ألى مستوىً أفضل.
× تسر الناظرين :
الذي يزور مدينة غيل باوزير يستلفت نظره طيبة أهلها ونظافتهم، فعلى الرغم من الإمكانيات المحدودة والقليلة إلا أنهم لم يستسلموا لإحباطات الواقع وألامه، بل شمروا عن ساعد الجد والاجتهاد بروح عصامية لا تعرف الكلل ولا الملل حتى جعلوا من مدينهم نموذجاً، ولعل مشروع ( النظافة والتحسين ) بالمديرية قد لعب دوراً كبيراً في التغلب على الكثير من المصاعب وشحة الإمكانيات، فعماله وبتحفيز من قياداتهم التي تتمتع بالحكمة والرشد قد خلطوا ليلهم بنهارهم وسعوا من ذات أنفسهم وبجهود ذاتية محضة إلى توفير المتطلبات ما أمكنهم الحصول عليها، فكافة هؤلاء الجنود المجهولين تركوا بصمتهم وأثرهم الكبير من أجل نظافة المدينة والمحافظة على صحتها البيئية وإسعاد أهلها بجمال ورونق الطبيعة مع بيئة صحية ونظيفة.
× سلبية أفسدت رونق المدينة :
من أبرز مشوّهات جمال المدينة ومما أفسد براءة النظافة فيها وجود سوق القات الذي لوّث وشوّه مظهر المدينة عند مدخلها، فلا يخطئ الناظر مئات إن لم تكن آلاف من أكياس البلاستيك العدوة للبيئة منتشرة وعالقة بالأشجار والمباني مما يسيء ويشوه المنظر، ضف إلى ذلك التلوث الهوائي بسبب حرائق مكبات القمامة.
× ضع القمامة في مكانها المناسب :
ما يستلفت الاهتمام ويُشعر بالفرق الكبير بين مدينة غيل باوزير وغيرها من مدن المحافظة أنهم يضعون القمامة في مكانها الصحيح، على العكس مما يراه الرائي في مدن كبيرة ولعل منه عاصمة المحافظة المكلا من ريم الناس لقمامتهم بجانب براميل القمامة وبعثرتها على جانبي الحاويات، دون اكتراث لما يمكن أن يسببه ذلك السلوم من تشويه للمنظر العام وانتشار الأمراض والأوبئة والروائح الكريهة.
فوضع القمامة في مكانها الصحيح مظهر من مظاهر الرقي، وهو ما تحلى به أهالي تلك المدينة العريقة زد على ذلك الاهتمام الكبير بمسألة التشجير والعناية بالأشجار والمساحات الخضراء، والمتنفسات والمنتزهات وإبقائها نظيفة دون ترك مخلفات المرتادين، كل ذلك أبرز إشعاع النظافة وأشاع الاخضرار في المدينة وأضحى دليلاً على على الاهتمام والحرص على أن تبدو المدينة في أحسن حالاتها وجمالها الطبيعي وتظهر في أبهى حلة وذات بهجة وانشراح.
فارق الإمكانات .. لا يعني النظافة :
هناك مدن تعاني من تدني مستوى النظافة على الرغم مما تحت يديها من جيش جرار من عمال النظافة وعدد كبير من المعدات، مع إمكانات كبيرة، كل ذلك لا يعكس حجم النظافة فيها، فشوارعها ملأى بالقمامة وأنى اتجهت إلى مكان رأيته يعجّ بالأوساخ والقاذورات، ومن هنا كان لزاماً الاقتداء والاستفادة من تجربة غيل باوزير في هذا المجال وإن استدعى الأمر أن تُعطى لمشروع النظافة والتحسين بالمديرية زمام القيادة في عملية نظافة تلك المدن، وتُسحب من مقاولي النظافة، فالأولوية في نهاية المطاف للخبرة وإدارة ملف النظافة باقتدار.
× الغيل .. ووضع النظافة في اليمن عموماً :
تواجه البلاد على المستوى الوطني تحديات كبيرة في مسألة النفايات الصلبة وعملية إدارتها وذلك بسبب الوضع الاقتصادي المتدهور وآثار الحرب القائمة، فنقص الموارد بات هو الأمر الذي ألقى بظلاله على المدن، وهناك دراسات تشير إلى ضعف خدمات إدارة النفايات بشكل عام في البلاد.
إلا أن مدينة غيل باوزير وسط هذا الكم من التراجع والتقهقر تبذل جهوداً جبارة في جمع النفايات وتنظيف الشوارع والعناية بالتشجير، والعمل على تطوير البنية التحتية والحفاظ عليها بشكل مستدام، مع الحاجة الملحة لمشاريع الدعم والصيانة المستمرة لقطاعات المياه والنظافة في المناطق الحضرية والأرياف.
× النظافة .. مسؤولية الجميع :
من الضرورة إرساء مبدأ التعاون والتعاضد والتكاتف باعتبار النظافة مسؤولية الجميع، فالمسؤول والمواطن والعامل هم من يرسمون لوحة متكاملة عن نظافة المدينة، ومن الأهمية بمكان أن نُبعد المفهوم القاصر وهو اقتصار مسؤولية التنظيف وحصرها على فئة محددة، فمهندسي النظافة والكوادر العاملة تُرفع لهم القبعات على صبرهم وتفانيهم وعلى كل ما يقدمونه من جهد جبار وعمل متفانٍ، لكن لا ينبغي أن نُلقي بالتبعة عليهم فقط في عملية النظافة والعناية بالمدينة.
× في الختام :
باعتقادي ودون مواربة أو مجاملات فإن مدينة غيل باوزير ستظل المدينة الحضرمية الراقية التي تتربع على عرش النظافة والجمال بساحل حضرموت، وما دام أهلها يحملون ثقافة النظافة ويتسلحون بسلاح الوعي البيئي، فإن مدينتهم ستبقى نموذجاً مشرّفاً يُشار إليه بالبنان ويعطي الزائر انطباعاً طيباً عنها على الدوام، كما أنها ستغدو شامة وأمثولة وقدوة ينبغي على بقية مدن المحافظة وقراها أن يحذوَ حذوها؛ حتى تصبح محافظة حضرموت كما عهدناها دوماً محافظة تتحلى بكل القيم والمعاني التي جعلت منها في مقدمة محافظات اليمن مكانةً وشرفاً.
◇◇◇







