ثقافة “اربط الحمار”؛ تحول الإذعان إلى معول هدم
أ.د مهدي دبان
تُعد عبارة “اربط الحمار محل ما يريد صاحبه” تجسيداً صارخاً لثقافة (الاتكالية السلبية) والهروب من المسؤولية المعرفية والأخلاقية. فعندما تتحول هذه المقولة إلى دستور للعمل، فإنها تلغي كيان الموظف أو الاستشاري وتحوله إلى مجرد أداة تنفيذية صماء، تكتفي بمراقبة الخطأ وهو يحدث دون محاولة تصحيحه. هذا النمط من الإذعان لا يعكس أدباً أو طاعة بقدر ما يعكس (تخاذلاً مهنياً)؛ فقبول تنفيذ أمر غير منطقي أو خاطئ لمجرد “إرضاء المدير” هو في الحقيقة تخل عن الأمانة العلمية والعملية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى هدر الموارد وضياع بوصلة النجاح نتيجة غياب النقد البناء.
إن الكارثة الحقيقية التي نعاني منها اليوم هي تحول هذا المبدأ إلى درع يتترس خلفه الموظفون للتنصل من عواقب الفشل، متذرعين بأنهم “نفذوا التعليمات فقط”. إن أي منظومة عمل لا تفتح باباً لمراجعة طلبات صاحب العمل وإعادة النظر فيها هي بيئة طاردة للكفاءات ومنتجة للأزمات. فالقيادة الرشيدة لا تبحث عن “رابطي حمير” يتبعون الأوامر بجهالة، بل تبحث عن (شركاء في القرار) يمتلكون الشجاعة لقول “لا” حينما يتطلب الصالح العام ذلك. إن الاكتفاء بالتنفيذ الأعمى لتجنب الصدام أو الملامة هو الذي يصنع الفشل الجماعي، حيث يغرق الجميع في مركب واحد لمجرد أن أحدا لم يجرؤ على مراجعة الربان في مساره الخاطئ.








