السعودية .. من المشروع السلفي السني.. إلى المشروع الرافضي في اليمن

كتب/  عبدالله عيسى بن عاطف.

لم يعد الأمر يحتاج إلى تحليل عميق أو وثائق مسربة حتى يفهم اليمني البسيط حقيقة التحول السعودي. الشواهد على الأرض أبلغ من كل خطاب. السعودية التي دخلت اليمن عام 2015 رافعة راية “نصرة السنة” و”قطع الذراع الفارسية” هي نفسها من تسلم اليوم مفاتيح المحافظات للذراع الفارسية نفسها، وتضرب كل يد سنية ترفض هذه الصفقة. الدين كان الوسيلة، والمصلحة هي الغاية، وحين تعارضت الوسيلة مع الغاية أُحرقت الوسيلة بلا تردد.

أكبر دليل قاطع على هذا الانقلاب هو ما جرى للقوات الجنوبية السنية. أبناء الجنوب كانوا الحصن المنيع للمشروع الفارسي في الجنوب بشكل خاص واليمن بشكل عام. هم من كسر شوكة الحوثي في عدن ولحج وأبين والضالع عام 2015 حين انهارت كل الجبهات. هم من قدم آلاف الشهداء بسلاح شخصي وبطون خاوية تحت شعار مواجهة المد الرافضي، وهم من آمنوا أن السعودية ظهر وسند في معركة عقيدة ومصير. لكن حين استقر القرار السياسي السعودي على مهادنة الحوثي وتثبيته، تحول هؤلاء المقاتلون من “حلفاء” إلى “عقبة” يجب إزاحتها.

بدأت القصة بقصف معسكرات القوات الجنوبية السنية بالطيران. ضربت مخازن السلاح، وضربت النقاط الأمنية، وضربت حتى مواكب التشييع لشهدائهم. الذريعة كانت جاهزة في كل مرة. “نيران صديقة” أو “مكافحة الإرهاب” أو “إعادة هيكلة”. لكن النتيجة واحدة. إضعاف القوة السنية الوحيدة التي هزمت الحوثي ميدانياً ورفضت أن تكون جسراً لعودته. كيف لدولة ترفع شعار محاربة التشيع أن تقصف أكثر من قاتل المشروع الشيعي على الأرض. الجواب أن الهدف لم يعد محاربة التشيع أصلاً. الهدف صار ترويض الجغرافيا لتقبل التشيع كأمر واقع، وأي قوة سنية مستقلة ترفض هذا الواقع يجب كسرها حتى لو كانت هي من حرر عدن من الحوثي.

المفارقة أن أبناء الجنوب السلفيين قاتلوا الحوثي بدافع عقدي خالص قبل أن تصل طائرة سعودية واحدة إلى سماء اليمن. قاتلوه في المساجد والجبهات والجبال وهو لا يملك إلا بندقيته ومصحفه. جاءت السعودية لتركب الموجة وتجعل من دمائهم رصيداً سياسياً، فلما تغيرت حساباتها صار دمهم عبئاً على صفقة السلام. اليوم يُمنع عنهم السلاح، وتُقطع مرتباتهم، ويُوصفون بالمتمردين، ويُترك الحوثي يتمدد في البيضاء ومأرب والجوف بلا غطاء جوي يوقفه. أي أن معادلة التحالف انقلبت تماماً. الحوثي الرافضي يُحمى بالهدنة، والجنوبي السني يُضرب بالطيران.

هذه ليست أخطاء تكتيكية بل سياسة ممنهجة. السعودية تدرك أن بقاء قوة سنية عقائدية مستقلة في الجنوب يعني استحالة تمرير مشروع التقاسم مع الحوثي. الجندي السلفي الجنوبي لا يفهم لغة الصفقات، يفهم أن الحوثي عدو يجب كسره، وأن صنعاء يجب أن تعود. وهذا المنطق يتعارض كلياً مع المنطق السعودي الجديد الذي يريد تثبيت الحوثي كسلطة وتقليم أظافر كل من يحلم باستعادة الدولة. لهذا كان ضرب القوات الجنوبية السنية شرطاً ضرورياً للانتقال من المشروع السلفي إلى خدمة المشروع الرافضي.

ما يجري اليوم هو إعادة تعريف للعدو والصديق وفق مصلحة الرياض لا وفق العقيدة. بالأمس كان الحوثي هو العدو الوجودي، واليوم صار شريكاً محتملاً في تقاسم الكعكة. وبالأمس كان المقاتل الجنوبي هو “الحليف الاستراتيجي”، واليوم صار “مصدر إزعاج” يجب تحيده. الدين الذي جُيش له الناس في 2015 يُستخدم اليوم لتخديرهم وتبرير خذلانهم. المنابر التي كانت تكفر الحوثي صارت تتحدث عن “السلام” و”حقن الدماء” بينما الدماء التي تُحقن هي دماء الحوثي فقط.

الخلاصة أن السعودية لم تنتقل عبثاً من دعم المشروع السلفي إلى تثبيت المشروع الرافضي. هذا انتقال محسوب بدقة. السلفيون صادقون ولا يساومون، والحوثي براغماتي ومستعد لعقد الصفقات. الأول يكلفك حرباً طويلة، والثاني يمنحك هدوءاً مؤقتاً مقابل اعتراف. والسياسة لا تعرف العقائد، تعرف الأرقام. لذلك دُفع أبناء الجنوب ثمناً لهذه الأرقام. قاتلوا المشروع الفارسي وهزموه، فكوفئوا بالقصف والتخوين، بينما يُكافأ المشروع الفارسي بالاعتراف والشراكة. هذا هو الدليل الذي لا يرد. وهذه هي الخيانة التي لا تُغتفر.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى