حين تتكلم سقطرى تسقط الأقنعة

كتب: صالح جميل

 

ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح، فبعضها أشد فتكًا حين تُدار بالكلمة والصورة والتضليل. وما تتعرض له دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم من حملات إعلامية ممنهجة، ليس سوى محاولة مكشوفة لإعادة كتابة واقعٍ عاشه أبناء أرخبيل سقطرى بكل تفاصيله، لا كما يُراد له أن يُروى عبر منصات التشويه.

 

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: أين كان هؤلاء حين كانت سقطرى غارقة في العزلة؟

أين كانت أصواتهم حين كان المواطن السقطري يقطع البحار للعلاج، ويعيش في ظلام دامس، ويواجه حياة قاسية بلا خدمات ولا فرص؟

 

الحقيقة التي لا يمكن طمسها أن سقطرى، قبل التدخل الإنساني الإماراتي، كانت خارج دائرة الاهتمام، تعاني من تهميش مزمن عبر عقود طويلة، سواء قبل الوحدة أو بعدها. لم تكن هناك بنية تحتية تُذكر، ولا خدمات صحية تُعتمد، ولا كهرباء تصل إلى القرى، ولا أمل يُبنى عليه مستقبل الشباب.

 

ثم جاءت الإمارات… لا بخطابات، بل بأفعال.

جاءت بالكهرباء التي أضاءت القرى بعد أن كان الضوء حلمًا.

جاءت بالمشاريع الخدمية التي لامست حياة الناس اليومية.

جاءت بمستشفى الشيخ خليفة، الذي لم يكن مجرد مبنى، بل كان شريان حياة أنقذ آلاف المرضى، وفتح باب العلاج المجاني في أبوظبي للحالات المستعصية.

وجاءت بفرص العمل التي نقلت الشاب السقطري من دائرة الحاجة إلى دائرة الاكتفاء والكرامة.

 

هذه ليست رواية عاطفية، بل واقع عاشه الناس، وشهدت عليه البيوت والطرق والمستشفيات، والأهم: شهدت عليه حياة الناس التي تغيرت.

 

لكن، وفي مشهد يثير الاستغراب، خرجت أصوات تتحدث باسم “الوطنية”، تصف كل ذلك بأنه “احتلال”!

أي منطق هذا الذي يساوي بين من يبني ومن يهدم؟

وأي وطنية تلك التي تنكر النور لأنه جاء من خارج حسابات السياسة الضيقة؟

 

الأدهى من ذلك، أن كثيرًا ممن يقودون هذه الحملات لم يكونوا يعرفون سقطرى حين كانت تعاني، ولم تطأ أقدامهم أرضها، ولم يسمعوا بأنين أهلها. واليوم، يتحدثون باسمها، ويزايدون على أبنائها، وكأن الحقيقة تُصنع في غرف الإعلام، لا في معاناة الناس.

 

ثم ماذا حدث؟

بمجرد خروج الإمارات من سقطرى، خفتت تلك الحملات، واختفت تلك الأصوات، وكأن المعركة انتهت!

وهنا تتجلى الحقيقة بوضوح: لم تكن القضية يومًا دفاعًا عن سقطرى، بل كانت استهدافًا لدور الإمارات.

 

واليوم، يقف أبناء سقطرى أمام واقع مختلف، تتراجع فيه بعض الخدمات، ويعود القلق إلى المشهد، في ظل غياب نفس الزخم التنموي الذي كان حاضرًا. ومع ذلك، يُطلب منهم أن يصدقوا أن ما عاشوه لم يكن إنجازًا، بل “وهمًا”!

 

لكن الشعوب لا تُخدع بسهولة.

الذاكرة لا تمحى.

والواقع لا يمكن تزويره.

 

سقطرى تعرف من وقف معها حين كانت منسية، وتعرف من حضر بالفعل لا بالقول.

تعرف من مدّ لها يد العون دون مقابل، ومن جاء متأخرًا ليتاجر بمعاناتها.

 

إن الحرب الإعلامية، مهما اشتدت، تبقى عاجزة أمام حقيقة واحدة:

أن ما يُبنى في حياة الناس لا يمكن هدمه بالكلمات.

 

وسقطرى… حين تتكلم، تسقط الأقنعة.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى