بين «القصف الأكبر» وورقة هرمز.. هل تقترب طهران من لحظة التنازل؟

أبين ميديا /متابعات /أكرم أبو الهنود

لمواجهة بين واشنطن وطهران دخلت مرحلة مختلفة، حيث لم تعد المسألة مجرد تبادل تهديدات أو رسائل سياسية محسوبة، بل تحوّلت إلى معركة ضغط مفتوحة، تحاول فيها الولايات المتحدة دفع إيران إلى حافة القرار الصعب وهو القبول بتنازلات مؤلمة، أو مواجهة تصعيد قد يكون الأوسع منذ بداية الحرب.ا

 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع السقف أمام طهران. ففي منشور على منصة «تروث سوشيال»، قال إن إيران إذا وافقت على المقترح الأمريكي المطروح حالياً، فإن «عملية ملحمة الغضب» ستتوقف وسيُفتح مضيق هرمز أمام الجميع، بما في ذلك إيران نفسها. أما إذا رفضت، فسيبدأ «قصف على مستوى أعلى بكثير من السابق». تصريحات ترامب لم تأتِ بصيغة دبلوماسية تقليدية، بل بلغة أقرب إلى فرض الشروط من موقع المنتصر.

 

وبعد ساعات فقط، عاد ليقول في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست» إن الوقت لا يزال «مبكراً جداً» للحديث عن محادثات سلام مباشرة مع إيران، قبل أن ينهي المقابلة سريعاً بالقول إن لديه اجتماعاً مع «الجنرالات». حتى طريقة الخروج من الحديث بدت كأنها جزء من الرسالة.

 

في المقابل، تشير التسريبات الأمريكية إلى أن الطرفين باتا أقرب من أي وقت مضى إلى مذكرة تفاهم أولية قد تنهي الحرب، أو على الأقل توقف الانزلاق نحو مواجهة أكبر. ووفق ما نقله موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين ومصادر مطلعة، فإن واشنطن تنتظر رداً إيرانياً خلال 48 ساعة على مقترح يتكوّن من 14 بنداً، يتناول وقف الحرب، وفتح مسار تفاوضي حول الملف النووي، إضافة إلى تخفيف القيود المفروضة على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

 

الضغط الاقتصادي

لكن خلف هذا الحراك السياسي، يوجد عامل أكثر تأثيراً وهو الضغط الاقتصادي. فالحصار البحري الأمريكي المفروض عملياً على الموانئ الإيرانية بدأ يترك آثاراً ثقيلة على الاقتصاد الإيراني، وخصوصاً في قطاع النفط. تقديرات نقلها «أكسيوس» عن مسؤولين في «البنتاغون» تحدثت عن تعطل ما لا يقل عن 4.8 مليارات دولار من عائدات النفط الإيراني، مع بقاء عشرات الناقلات عالقة في الخليج.هذه ليست مجرد أرقام مالية. بالنسبة لإيران، النفط ليس قطاعاً عادياً، بل المصدر الأساسي للعملة الصعبة، وأي تعطيل طويل لحركة التصدير يعني ضغطاً مباشراً على قدرة النظام على التمويل والإنفاق والاستمرار

 

.وآثار الأزمة لم تعد تقتصر على التصدير فقط. فوكالة «بلومبيرغ» كشفت أن طهران بدأت بالفعل خفض إنتاجها النفطي لتجنّب الوصول إلى الحد الأقصى من السعة التخزينية، في خطوة تعكس حجم الضغوط الحالية. وعندما تصل دولة نفطية إلى مرحلة تخفيف الإنتاج ليس لأسباب تتعلق بالسوق، بل بسبب صعوبة التخزين والتصدير، فهذا يعني أن الأزمة تجاوزت السياسة إلى صلب القدرة التشغيلية نفسها.

 

نقاش وانقسامات

هذا التباين في الخطاب يعكس على الأرجح وجود نقاش داخلي معقد وانقسامات داخل طهران. فقبول الشروط الأمريكية بالشكل المطروح حالياً لن يكون خطوة سهلة سياسياً، وخصوصاً مع الحديث عن وقف طويل الأمد لتخصيب اليورانيوم، وقيود على المنشآت النووية، وربما حتى إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من إيران.ومع ذلك، يبدو أن واشنطن تراهن على أن الضغوط الحالية كافية لدفع إيران نحو تنازلات لم تكن مطروحة قبل أشهر

 

. ولهذا السبب تحديداً، لم تتخلَّ الإدارة الأمريكية عن ورقة الحصار، حتى وهي تتحدث عن تهدئة واتفاق محتمل.الأسواق بدورها بدأت تتعامل بجدية مع هذا الاحتمال. أسعار النفط والغاز تراجعت بعد التقارير التي تحدثت عن اقتراب اتفاق، كما هبط الدولار إلى أدنى مستوياته منذ بداية الحرب، في إشارة إلى أن العالم يرى في أي تفاهم محتمل تحولاً كبيراً في المشهد الإقليمي.

 

لكن رغم ذلك، لا شيء محسوماً حتى الآن، فالمقترح المطروح ليس اتفاقاً نهائياً، بل إطار أولي يمكن أن يفتح الباب لتفاهم أوسع… أو يعيد الأمور بسرعة إلى نقطة الصفر.

 

وفي ظل تهديدات ترامب بـ«قصف أكبر»، وتمسك واشنطن بأقسى أوراق الضغط، تبدو إيران اليوم أمام أكثر لحظاتها حساسية منذ بداية الحرب، فإما الدخول في تسوية صعبة، أو اختبار مواجهة قد تكون كلفتها هذه المرة أعلى بكثير مما تتوقعه طهران نفسها.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى