المضحوك عليهم..!

بقلم: علي سيقلي

 

في عالم السياسة، لا تُقاس العلاقات بين الدول بما يُقال على المنابر، ولا بما تتناقله وسائل الإعلام، بل بما تُحققه المصالح خلف الأبواب المغلقة. فكثيرًا ما يبدو الخصوم وكأنهم يخوضون معارك لا هوادة فيها، بينما تستمر قنوات التواصل والتفاهم مفتوحة، لأن المصالح لا تعرف العداوات الدائمة، وإنما تعرف المكاسب الدائمة.

أما الشعوب، فهي غالبًا الطرف الذي يدفع الثمن. تنقسم، وتتخاصم، وتخوض الحروب، بينما يواصل اللاعبون الكبار إعادة ترتيب الأوراق بما يخدم حساباتهم السياسية والاستراتيجية. وعندما تُكشف بعض الحقائق، يكتشف الناس أنهم كانوا مجرد وقود لمعركة لم يكونوا طرفًا في رسم نهايتها.

ولهذا، يكثر الحديث في الأوساط السياسية عن أن ما يجري في المنطقة لا يمكن فهمه من خلال التصريحات وحدها، بل من خلال النتائج على الأرض. فالتفاهمات غير المعلنة، والوساطات الإقليمية، وتبادل الرسائل بين الخصوم، كلها تؤكد أن السياسة لا تعرف الأبيض والأسود، بل تتحرك في مساحة واسعة من الرمادي.

ومن هنا، يذهب بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن ما تعرض له المجلس الانتقالي الجنوبي قد يكون جزءًا من مشهد سياسي أكبر، وأن ما يُتداول اليوم عن مسارات التهدئة والاتصالات بين السعودية والحوثيين، بوساطة عُمانية، يدفع إلى طرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة، دون أن يعني ذلك الجزم بوجود سيناريو واحد أو اتفاقات خفية بعينها، فالكثير من تفاصيل المفاوضات يبقى غير معلن.

ويبرز هنا سؤال سياسي لا يخلو من الأهمية: هل كان المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل عقبة كأداء أمام إنجاز مسار التسوية وخارطة الطريق التي يجري الحديث عنها بين السعودية والحوثيين؟ لا توجد إجابة معلنة أو قاطعة على هذا السؤال، لكن تزامن بعض التحولات السياسية مع تسارع مسارات التفاوض يدفع بعض المتابعين إلى طرحه. فحين تتغير الأولويات الإقليمية، قد تتحول بعض القوى من شريك أساسي إلى طرف تُعاد صياغة أدواره بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الجديدة. وقد تكون هذه القراءة صحيحة أو غير مكتملة، إلا أن بقاء كثير من الملفات بعيدًا عن الرأي العام يجعل باب التأويل مفتوحًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: من يربح فعلًا من هذه الصراعات؟ هل هي الشعوب التي أنهكتها الحروب، أم القوى التي تتقن إدارة المصالح وتغيير التحالفات كلما اقتضت الحاجة؟

السياسة قد تغيّر مواقفها بين ليلة وضحاها، أما الشعوب، فهي غالبًا كالزوج آخر من يعلم… وأول من يدفع الثمن.

مشــــاركـــة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى